توسع مجلس التعاون الخليجي: محاوله للفهم
إعداد
حسين عبد المطلب الأسرج
باحث اقتصادي، مدير ادارة بوزارة التجارة والصناعة المصرية
منزل (للمراسلة): ميت راضى 13826-بنها-القليوبية-مصر
عمل: القاهرة-امتداد شارع رمسيس - أبراج وزارة المالية-مبنى وزارة التجارة والصناعة-البرج الخامس-الدور الرابع-حجرة رقم 9
Mobile (0020106237534)
E.Mail:hossien159@gmail.com
في خطوة مفاجئة أعلن مجلس التعاون الخليجي أنه شرع في بحث إمكانية توسعه باتجاه الأردن والمغرب، الأولى بناء على طلب قبل 10 سنوات، والأخرى تلقت دعوة الانضمام للمجلس، ليصبح عدد الدول الستة المشكلة للمجلس مرشحاً للزيادة إلى ثماني دول. الكثير من التساؤلات أُثيرت حول هذه الخطوة،، لاسيما في ظل "الربيع العربي". ففي الوقت الذي أبقت فيه منظومة الدول الخليجية الأبواب موصدة لسنوات طويلة أمام انضمام دول مطلة بالفعل على الخليج نفسه وقريبة جغرافيا ومهمة استراتيجيا مثل اليمن والعراق، تسعى الدول العربية الخليجية الآن بشكل غير متوقع إلى التوسع باتجاه دولتين لا تطلان على الخليج نفسه، في تحد واضح لعامل الجغرافيا والجوار والعمق الإستراتيجي.
وقد توقع كثيرون من القمة التشاورية الثالثة عشرة لدول مجلس التعاون الخليجية، والتي عقدت في الرياض أن تصدر عنها إجراءات حاسمة في مواجهة التحديات المتزايدة التي تواجهها دول المجلس، لكن أحدًا ما لم يكن يتوقع تلك الخطوة التي جاءت مع انتهاء القمة وفاجأت الأوساط السياسية والدبلوماسية والإعلامية في العالم، عندما أعلن أمين عام المجلس عن ترحيب قادة دوله بطلب المملكة الأردنية الهاشمية الانضمام إلى المجلس، وتكليف وزراء الخارجية دعوة وزير الخارجية الأردني للدخول في مفاوضات لاستكمال الإجراءات اللازمة لذلك، إلى جانب دعوة المملكة المغربية للانضمام أيضًا. فانضمام دولتين في وزن المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية للمجلس -فيما لو تحقق- يعني الكثير، أولًا لما تحتله الدولتين من ثقل عربي وإقليمي ودولي على الصعيدين السياسي والاستراتيجي، وأيضًا بسبب العلاقات المتميزة والمصالح المشتركة والمواقف الموحدة بين دول المجلس والدولتين الشقيقتين، وحيث يمكن أن يساهم انضمامهما إلى المجلس في العديد من المنافع والفوائد التي ستعود بالخير على دول المجلس وهاتين الدولتين.
ومجلس التعاون لدول الخليج العربية هو منظمة إقليمية عربية مكونة من ست دول أعضاء تطل على الخليج العربي هي الإمارات والبحرين والسعودية وسلطنة عمان وقطر والكويت. كما يعد كل من العراق باعتباره دولة عربية مطلة على الخليج العربي واليمن)الذي يمثل الامتداد الاستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي) دولا مرشحة للحصول على عضوية المجلس الكاملة حيث يمتلك كل من العراق واليمن عضوية بعض لجان المجلس كالرياضية والصحية والثقافية. ويتخذ المجلس من الرياض مقراً له.
وقد تأسس المجلس في 25 من مايو 1981 بالاجتماع المنعقد في أبوظبي بالإمارات العربية المتحدة ،حيث توصل قادة كل من هذه الدول الست إلى صيغة تعاونية تضم الدول الست تهدف إلى تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين دولهم في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها، وفق ما نص عليه النظام الأساسي للمجلس في مادته الرابعة، التي أكدت أيضاً على تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون بين مواطني دول المجلس..وجاءت المنطلقات واضحة في ديباجة النظام الأساسي التي شددت على مايربط بين الدول الست من علاقات خاصة، وسمات مشتركة، وأنظمة متشابهة أساسها العقيدة الإسلامية، وايمان بالمصير المشترك ووحدة الهدف، وأن التعاون فيما بينها إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية.وحدد النظام الأساسي لمجلس التعاون اهداف المجلس في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الاعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها، وتوثيق الروابط بين شعوبها، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية، والتجارية والجمارك والمواصلات، وفي الشؤون التعليمية والثقافية والاجتماعية والصحية والإعلامية والسـياحية والتشـريعية، والإدارية، ودفع عجلـة التقـدم العلمـي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية، وإنشاء مراكـز بحـوث علميـة وإقامـة مشـاريع مشـتركة، وتشـجيع تعـاون القطاع الخاص. وفي يوم الثلاثاء العاشر من مايو 2011 في اجتماع المجلس في الرياض أعلن عن الموافقة بضم المملكة الأردنية الهاشمية للمجلس ودعوة المملكة المغربية للإنضمام لمجلس التعاون.
ولكن لماذا الأردن على وجه الخصوص؟ يمكن القول في الإجابة على هذا السؤال أن هنالك خصوصية في العلاقات التي تربط دول المجلس بالأردن أولها تواصله الجغرافي مع السعودية عبر حدودها الشمالية، إلى جانب أن تقارب التركيبة العشائرية للمجتمع في البلدين يشكل عاملًا مساعدًا في إتمام هذه الخطوة المهمة، التي سيترتب عليها ترسيخ تلك التجربة وإكسابها قوة دفع جديدة لما سيتيحه انضمام هذا البلد الشقيق من استفادة دول المجلس من الأيدي العاملة الأردنية لاسيما وأن الأردن يتميز بعدد كبير من الأكاديميين والمتعلمين والمثقفين إلى جانب أن الأردن مؤهل عمليًا للانخراط في التجربة.
وفي حالة انضمام المغرب إلى المجلس فإن ذلك سيفتح المجال أمام تدفق العمالة المغربية العربية- إلى جانب العمالة الأردنية- إلى دول المجلس، مما سيساعد على التخلص من الأعداد الهائلة من العمالة الآسيوية المتواجدة في دول المجلس، واستبدالها بعمالة هاتين الدولتين العربيتين الشقيقتين.
من جهة أخرى، فإن انضمام الأردن، أو الأردن والمغرب معًا، إلى دول المجلس سيعني مزيدًا من فاعلية المجلس ودعمه في مواجهة التحديات والتهديدات الأمنية والتدخلات الخارجية، فيما سيدعم مسيرته الوحدوية، وسيشكل قوة دفع للعمل العربي المشترك ودعم القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. كما أن توسيع العضوية لتشمل المزيد من الدول العربية يعتبر خطوة هامة على صعيد تقريب حلم الوحدة العربية وإمكانية تحقيق هذا الحلم على أرض الواقع بعد أن بددته الفتن والخلافات والانقسامات.
ولا شك أن هذا التجمع يمتلك مقومات فارقة، اقتصادية ومالية وجغرافية وبشرية، علاوة على انضمام بلدين لهما موقع سياسي خاص في المنطقة، ما سيفتح المجال واسعاً أمام آفاق أخرى إذا أحسن التعاطي مع ظروفه الموضوعية . فالتجمع يجاور بلداناً عربية أخرى تواجه تحديات البقاء والاستمرار، مثل اليمن وسوريا والجزائر وليبيا وغيرها، وبذلك من المفترض ألا يكون شكلاً من أشكال التحدّي للبلدان الأخرى، وعنواناً يطمئن ويخف حالات التوجّس والتخّوف .
ولا يمكن تفسير هذا الترحيب من دول مجلس التعاون الخليجي بانضمام الأردن كعضو ودعوة المغرب للانضمام بمنأى عن قراءة المشهد العام للأحداث الجارية على الساحة العربية وتأثيراتها.
فأبرز هذه الأحداث هو الحراك الشعبي الممتد من المحيط إلى الخليج، وسط انهيار شبه كامل للنظام الإقليمي العربي الذي تمثل أخيراً في تأجيل القمة العربية المقررة في العراق .
في الوقت نفسه، ثمة مصالحة فلسطينية فلسطينية انطلقت في القاهرة وهي مرشحة للاستمرار والبناء عليها مستقبلاً، في ظل انهماك مصر بأوضاعها الداخلية، فهل سينتقل الملف الفلسطيني إلى دائرة القرار السياسي الخليجي تحديداً بعد مروره واحتوائه أردنياً؟ ربما تكون أفكاراً أكثر مما هي مشروعات واضحة، لكن الإدارة الأمريكية الديمقراطية ستخوض انتخابات رئاسية العام المقبل، فهل ستستغل الملف الفلسطيني وجغرافيته السياسية الجديدة كبطاقة انتخابية رابحة؟
باختصار ربما هذا التمدد المفاجئ يؤسس لمراحل لاحقة، ينبغي التمعّن والنظر فيها ببصر وبصيرة لئلا تضاف هذه التجربة إلى مجموعة التجارب الإقليمية العربية غير الناجحة .
فمن حيث المبدأ لا يضير هذا التمدد بشيء، لاسيما أنه مغطى قانوناً بالمادة التاسعة من ميثاق الجامعة العربية الذي يعتبر هذه التجمعات مرحلة تكاملية في إطار الطريق العربي الطويل نحو وحدتها . وبصرف النظر عن حجم النجاحات والإخفاق التي ستواجه هذه الانطلاقة، ثمة أسئلة كثيرة تطرح نفسها لجهة الزمان والمكان الذي سيشغله هذا التجمع بجغرافيته السياسية والآمال المعلقة عليه.
فدول الخليج مرغوبة للعمل والإقامة فيها من قبل الفلسطينيين وحتى الاردنيين أكثر من امريكا ودول اوروبا وذلك لوحدة الدين واللغة والعادات وغيرها وهنا يأتى التخوف من توطين الفلسطينيين في مناطق بعيدة جغرافيا نوعا ما عن وطنهم الأصلي. وهذا قد يصب في صالح بعض الدول الخليجية من حيث انها بحاجة ماسة للسكان. وهناك فوائد اخرى لدول الخليج من انضمام الاردن و المملكة المغربية أيضا وهي تشكيل جبهة قوية من دول ذات انظمة ملكية مستقرة و تحصين أوضاعها الأمنية لتكوين جبهة ضد ايران او انشاء حلف عسكري، من جهه وفي مواجهة الثورات الداخلية المتوقعة من جهة أخرى.
ومن الناحية الاقتصادية ،فان انضمام بلدين غير نفطيين للمجلس قد يكون له آثارا اقتصادية ايجابية، وخاصة من خلال تعزيز التجارة بين الدول الاعضاء، فدول مجلس التعاون الخليجي التي ما زالت تعاني ضعف مستوى التجارة البينية كنتيجة لتشابه نمط الانتاج المعتمد بشكل أساس على صادرات النفط، ، إذ كما هو معروف ان تعزيز التجارة البينية يعد احد الاهداف الرئيسة للسياسة الاقتصادية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي منذ عام 1981، فضلا عن ان السياسة الاقتصادية الموحدة لعام 2003، قد اكدت على دور واهمية تعزيز التجارة بين البلدان الاعضاء. واضافة ان التكامل الجديد سيفتح الفرصة امام زيادة مستوى الاستثمارات المباشرة الصادرة من دول المجلس، إذ من الممكن ان يفتح ذلك الباب واسعا مثلا في مجال الاستثمار الزراعي لا سيما في المغرب التي تمتلك مساحات زراعية واسعة، على غرار تجربة الاستثمار الزراعي السعودي في السودان، حيث ان الاتحاد الجديد سوف يسهل مثل هكذا استثمارات، ويحل مشكلة الزراعة داخل الاراضي السعودية التي تعاني شحة المياه كعامل اساسي في ضعف مستوى الزراعة فيها. فضلا عن ذلك، من الممكن ان تكون هناك إمكانية في زيادة مستوى توظيف العمالة العربية القادمة من العضوين الجديدين وبالتالي ستكون هناك آثارا ايجابية ضمن هذا الاطار حيث يعد ذلك مكسبا مهما في سبيل تقليل البطالة في كل من الاردن والمغرب.
وقد يرى البعض أن إنضمام الأردن إلى المجلس بسكانه البالغين 6 مليون نسمة لن يكون له تأثير على التركيبة السكانية و الاقتصاد الأردني على الرغم من قلة الموارد فهو إقتصاد مرن ومتطور وقابل للمزيد من التطور بل حتى أنه أصبح منذ فترة طويلة جاذباً وموطناًُ للإستثمارات الخليجية، وفي حال إنضمام الأردن إلى دول مجلس التعاون الخليجي فإنه لن يكون عبئاً إقتصادياً على تلك الدول لقلة سكانه وتطور اقتصاده، إضافة إلى تتشابه الأردن من حيث نظام الحكم مع دول المجلس، والتوافق في السياسة الخارجية لدول المجلس والأردن .
ولكن من جهة أخرى فان التوسع المحتمل للمجلس قد يكون له آثار اقتصادية سلبية على الدول الخليجية. فزيادة الانسجام والتعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي مطلوبان قبل أي توسّع آخر. التوسع لا يؤدي بالضرورة إلى الرخاء للجميع إنه يجب على مجلس التعاون أن يأخذ العبرة من الأزمة الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي.
فالاردن يستورد 95 % من احتياجاته من الطاقة. وكانت وارداته من الغاز المصري التي تبلغ 6,8 ملايين متر مكعب يومياً، تشكل 80% من حاجته لتوليد محطات الكهرباء.وتقدر نسبة البطالة في الأردن التي يبلغ عدد سكانها ستة ملايين نسمة وفقاً للأرقام الرسمية بـ14.3%، بينما تقدرها مصادر مستقلة بـ30%. ،وتقدر نسبة الفقر بـ25%، بينما تعد العاصمة عمان أكثر المدن العربية غلاءً وفقاً لدراسات مستقلة. كما أن عجز الموازنة قد يتجاوز أربعة مليارات دولار في ضوء الوضع المتأزم في هذا البلد الذي يشهد احتجاجات تطالب بالإصلاح الاقتصادي والسياسي.
واجمالا فمن المتوقع ان ارتباط كل من الاردن والمغرب بالاتحاد الخليجي سيكون إيجابيا على النمو الاقتصادي كلا البلدين، اذا سيحققان مكاسب اكبر مما هو متوقع في دول المجلس لا سيما في المغرب، بيد ان العامل الاهم الذي يحدد تحقيق كل التوقعات المذكورة بالتأكيد سيكون مرهونا بدور سياسات البلدان الاعضاء ومدى الجدية في تنفيذ اهداف التحالف الجديد.
ولكن يظل السؤال لماذا وقع الخيار على المغرب بينما هناك بلدان اخرى اقرب جغرافيا مثل العراق ومصر على سبيل المثال، كذلك اليمن التي بقيت ومنذ سنوات تسعى للانضمام وقدمت طلبات عديدة بشأن ذلك، لكنها ما زالت تحتل صفة رقيب آملة الانضمام عام 2016. وهل هناك علاقة بنظام الحكم ؟ حيث نلاحظ ان الدعوة موجهه لمملكتين !! ام انه لا توجد علاقة لتلك السمة باعتبارات الانضمام الى الاتحاد الجديد ؟
No comments:
Post a Comment