شهد قطاع التمويل الإسلامي معدلات نمو هائلة في السنوات الأخيرة، ويتمتع بإمكانيات كبيرة ليصبح بديلاً رئيسياً للاستثمارات التقليدية.و جدير بالذكر أن الظهور الحديث للتمويل الإسلامي بدأ منذ السبعينيات وزاد حجم سوقه بصورة ملحوظة،وهو يتراوح ما بين 800 بليون دولار الى 1 ترليون دولار أميركي في الآونة الحالية ،كما أنه ينمو حاليا بمعدلات سريعة تتراوح ما بين 10-15% سنويا. كما يقدر حجم السوق الدولي للصكوك الإسلامية حاليا بحوالي 80 بليون دولارـ وأنها نمت بمعدل يفوق خمس مرات في الفترة من 2004 الى 2007 ، ولكن إصدار هذه الصكوك تراجع لأقل معدلاته في السنوات الثلاثة الأخيرة خلال عام 2008 ليبلغ 15.8 بليون دولار فقط مقارنة مع 46.7 بليون دولار في عام 2007.وعلى الرغم من ذلك فانه يمكن القول بأن التمويل الإسلامي يشكل مجرد نقطة في بحر القطاع المالي على مستوى العالم، وإمكانياته واعدة ويحتاج الناس إلى فهم أن قطاع التمويل الإسلامي هو وسيلة لمزاولة الأعمال بما يتوافق مع أحكام الشريعة. فهو بديل أخلاقي للاستثمار يتمتع بالنزاهة، والمسؤولية الاجتماعية، إضافة إلى أنه وسيلة تساهم في تنويع محافظ المستثمرين.
و السوق المصرية تزخر بالعديد من الفرص الكامنة في مجال التمويل الإسلامي، نظراً لوجود شرائح اجتماعية واسعة تفضل التعامل مع هذا النوع من التمويل ولضخامة حجم السوق حيث تشير الدراسات إلى أن السوق يمكن أن تستوعب خدمات تمويلية ذات طبيعة إسلامية في حدود عشرة مليارات دولار سنوياً خلال المرحلة الأولى موزعة على التمويل العقاري والتأجير التمويلي وتمويل المشروعات الصغيرة وتمويل الأفراد مباشرة.وبغض النظر عما يجري في المنطقة العربية حالياً من تطورات سياسية وصعود تيارات الإسلام السياسي سواء في تونس أو مصر أو ليبيا أو في المغرب ،فان العالم كله يتجه إلى الأخذ بالنظام المالي الإسلامي وتطبيق أدوات التمويل الإسلامي لأن الأزمات المالية العالمية التي بدأت تضغط على النظام الاقتصادي العالمي منذ منتصف العام 2008 كشفت عن ضغط وهشاشة هذا النظام ومن ثم فإن مؤسسات عالمية كبرى وجدت ضالتها في خدمات التمويل الإسلامي مثل الصكوك وغيرها.
وتبدو أهمية صيغ التمويل الإسلامي، في قدرتها على تحقيق العدالة بين طرفي المعاملة، بحيث يحصل كل طرف على حقه، بدلا من نظام الإقراض بالفوائد الذي يضمن حق صاحب القرض عادة على حساب المقترض، كما تضمن هذه الأدوات استخدام التمويل المتاح في مشروعات تنمية حقيقية تفيد المجتمع. إضافة الى حرص التمويل الإسلامي على الربط بين الأرصدة المالية والأرصدة الحقيقة وعلى رفض اعتبار النقود أرصدة في حد ذاتها.وصيغ التمويل الإسلامي تملك من الخصائص والسمات ما يحول دون وجود مشكلات التمويل للمشروعات ، بما تتضمنه من مزايا لا توجد في غيرها من أنظمة التمويل التقليدي، فهي تتسم يالتنوع والتعدد، فهناك أساليب للتمويل قائمة على التبرعات والبر والإحسان، وأساليب للتمويل قائمة على المشاركات، وأساليب تمويل أخرى قائمة على الائتمان التجاري، كما أنها متعددة المجالات من زراعة وصناعة وتجارة وخدمات، وكل هذا يتيح فرصا ومجالات أكثر لتمويل المشروعات. كما أن أساليب التمويل الإسلامية تقوم على أساس دراسات الجدوى من الناحية الاقتصادية، وعلى أساس الحلال من الناحية الشرعية، ولا تحول تلك الأساليب بين مؤسسات التمويل وأخذ الضمانات الكافية التي تؤمن أموالها. كما أنها تنقل التمويل من أسلوب الضمان والعائد الثابت إلى أسلوب المخاطرة والمشاركة، والغنم بالغرم، وتغلب النشاط الإنتاجي على النشاط المالي، وترسخ مفهوم الرقابة والمتابعة على التمويل الممنوح، وتراعي ظروف المتعثرين. و صيغ التمويل الإسلامي تناسب مع معظم المشروعات حيث يختار صاحب المشروع الصيغة التي تناسبه وتتفق مع ظروفه وإمكاناته وهذا أفضل وأجدى من نظام التمويل القائم على الفائدة ،كما تتكامل هذه الصيغ مع بعضها البعض،فعقد المرابحة يكون قائما علي اساس شراء سلع ومواد فحسب للمشروع لا تلبي الحاجة الي دفع الاجور والسيولة الازمة للإنفاق علي الانتاج بينما يتيح الاستصناع توفير التمويل للتكاليف المتغيرة مثل الاجور والنفقات الإدارية الاخري.كما ان السلم يشترط لصحته تعجيل دفع الثمن اما في الاستصناع فلا يشترط ذلك اذ يصح الاستصناع مع تأجيل دفع الثمن كله او بعضه.ويمكن ايضا ان تتكامل صيغ التمويل الاسلامي للتحقيق ارباحا اضافيه لا تتحقق عند تطبيق كل عقد منفردا، فيمكن الجمع بين عقد الاستصناع وعقد المرابحة حيث يمكن القيام باستصناع بضائع معينه يحتاجها السوق ثم عند تسليمها يمكن ان تباع مرابحه كما يمكن الجمع بين عقد الاستصناع وعقد المشاركة وذلك بمشاركه صناع مختصين وعند ذلك يتم عقد استصناع للشركات التي هو طرف فيها. ايضا يمكن الجمع بين عقد الاستصناع وعقد السلم وذلك عندما يشترط في البيع الاول دفع الثمن في مجلس العقد اما البيع الثاني فلا يشترط فيه دفع الثمن في المجلس. ومن خلال المضاربة يمكن توظيف الموارد المالية لدى أصحاب الكفاءات والخبرات المختلفة ممن لا تتوافر لديهم الموارد المالية اللازمة لتمويل مختلف أنشطتهم الاقتصادية والاستثمارية وليس الاقتصار على تمويل غرض محدد كما هو الحال في المرابحة أو السلم أو التأجير.ففى المرابحة مثلا تصلح لتمويل شراء أو توفير سلع ومعدات أو خامات للإتجار فيها.وفى التأجير يتم توفير معدات للمشروع دون توفير المواد الخام ورأس المال العامل.أما المضاربة فمن خلالها يتم توفير كافة الموارد التمويلية المطلوبة للمشروع سواء فى شكل رأس مال ثابت أو عامل.لذا فان تكامل هذه الصيغ والمزاوجة بينها يعظم الأرباح ويوسع من فرص العمل.
وحينما تتحول المؤسسات من أساليب التمويل التقليدية إلى أساليب التمويل الإسلامية فإنها تقيم تنظيما جديدا فنيا وإداريا، حيث يتحول اهتمامها من إدارة الإقراض إلى إدارة الاستثمار، ومن التركيز على الضمان إلى التركيز على الجدوى الاقتصادية، ومن اشتقاق الائتمان للحصول على فائدة إلى تحفيز الادخار والاستثمار، ومن دور المرابي إلى دور المستثمر والمستشار الاقتصادي، الذي يلتحم مع المشروع ويقدم له المشورة، بما يكون لها من مراكز أبحاث اقتصادية، ومعرفة بأحوال السوق، وبتوفر كم كاف من المعلومات عن حركة الاستثمار.وعلى ذلك فانه يمكن القول بأن استخدام صيغ التمويل الإسلامي لتمويل المشروعات يلعب دورا اقتصاديا هاما من خلال القنوات التالية:
- تحفيز الطلب على منتجات هذه المشروعات:فلا يشترط في عدد من هذه الصيغ توافر الثمن في الحال كما لا يتوافر في عدد آخر توافر المنتج في الحال فاذا افترضنا وجود رغبة لدى المستهلكين أو المنتجين على منتجات معينة نهائية أو وسيطة فان عدم توافر قيمة تلك المنتجات لا يمنع عقد الصفقات علي شراء تلك المنتجات على أساس دفع الثمن في المستقبل دفعة واحدة أو على اقساط،أيضا يمكن اتمام الصفقات بدفع قيمة هذه المنتجات مقدما على أن يتم تسليمها في المستقبل وفقا للشروط المتفق عليها.وينتج عن ذلك تشجيع الطلب على منتجات هذه المشروعات ولا يقف عدم توافر الثمن أو المنتج عائقا يحول دون اتمام عقد الصفقات مع هذه المشروعات.ولا شك أن تشجيع الطلب يدى الى استغلال الموارد ورفع مستوى النشاط الاقتصادى وتوفير المزيد من فرص العمل وبالتالى تنشيط الطلب على منتجات هذه المشروعات واحداث الرواج الاقتصادى.
- توفير التمويل الازم لهذه المشروعات: توفر هذه الصيغ تمويل التكاليف للمشروعات ففى المرابحة مثلا تصلح لتمويل شراء أو توفير سلع ومعدات أو خامات للاتجار فيها.وفى التأجير يتم توفير معدات للمشروع دون توفير المواد الخام ورأس المال العامل.أما المضاربة فمن خلالها يتم توفير كافة الموارد التمويلية المطلوبة للمشروع سواء في شكل رأس مال ثابت أو عامل.لذا فان تكامل هذه الصيغ والمزاوجة بينها يعظم الأرباح ويوسع من فرص العمل.كما أن لعقد الاستصناع دورا هاما في تشجيع هذه المشروعات من خلال توفير التمويل نتيجة دفع قيمة منتجاتها مقدما.ومع توافر التمويل تتاح الفرصة أمام هذه المشروعات للنمو والازدهار واستغلال الطاقات الانتاجية المتوفرة لها وضبط التكاليف واستقرار ظروف الانتاج.
- استغلال الموارد الاقتصادية للمشروعات:تتميز صيغ التمويل الإسلامي بالمشاركة في الأرباح فهى توفر المجال واسعا أمام اصحاب المهارات للإبداع والتميز وتسخير مواهبهم في الانتاج والابتكار دونما عوائق من اصحاب الأموال.وتشجع اصحاب المشروعات الصغيرة على بذل أقصى جهد مع حرصهم على نجاح مشروعاتهم والارتقاء بها لأنهم شركاء في الربح الناتج وبذلك نضمن آلية ماهرة لتخصيص الموارد. كما أنها توفر بدائل متعددة أمام أصحاب رؤوس الأموال لاختيار مجال استثمار مدخراتهم الى جانب اختيار نظام توزيع الأرباح الذى يتلاءم مع ظروف كل منهم.
وفى الختام أود التأكيد على أن هناك عدة اعتبارات يجب مراعاتها بالنسبه لمستقبل التمويل الإسلامي في مصر،منها:
- حاجة التمويل الإسلامي الى تعزيز أسس الشفافية، وإرساء بنى تحتية مناسبة،حيث أن هناك فجوتين رئيسيتين في البنية التحتية. إن السوق الثانوي غير ملائم، ويحتاج إلى التغير لتحقيق النمو المستدام، كما أن هذه المسألة بحاجة إلى الوقوف عندها وحل مبتكر. و لا تتوفر أي مجموعة من المعايير المطبّقة عالمياً.
- أن الكفاءات البشرية المؤهلة في قطاع التمويل مازالت غير كافية، وهذا تحد كبير أمام قطاع التمويل الإسلامي. فصيغ التمويل الإسلامي تحتاج في تطبيقها لنوعية خاصة من العاملين،لدرجة تجعل توافر هذه النوعية عقبة رئيسية تحول دون امكانية تطبيقها،وذلك لأن أنظمة عمل هذه الصيغ يمثل بناء فكريا خاصا مصدره التشريع والفقه الإسلامي ،كما أن آليات العمل بها تختلف عن أليات العمل في الأنظمة التي تعتمد سعر الفائدة ،الأمر الذى يستدعى ضرورة توافر كوادر مؤهلة تحيط بالقواعد والضوابط التي تحكم عمل هذه الصيغ.
- ضرورة وجود تشريعات وقوانين واضحة وصريحة تحدد آلية عمل هذا القطاع، اضافة الى وضع معايير لصيغ التمويل الإسلامي حتى نجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين.
- ينقسم المتخصصون في الشريعة إلى قسمين الأول يتبع إلى باب الاجتهاد، الذي يبتكر بنية إسلامية جديدة، والمشرعون الذين يصدرون الفتاوى والأحكام على أسس ثابتة ومحددة سلفاً، وعلى المجتهدين العمل مع هذه المؤسسات، بينما المشرعون مطالبون بتقديم النصح لهذه المؤسسات. وفي حال ضمان استقلالية هذين القسمين، فإننا سنضمن شفافية أكثر في الاستشارات المالية. اضافة الى ضرورة الابتكار الذي يواجه تحديات في قيمة البحوث والدراسات التي يتم صرفها على المنتجات التقليدية مقارنة بالإسلامية. فالتنوع يفتح الباب واسعاً أمام العملاء والجمهور للاختيار بسبب التنوع الذي سيجدونه.
No comments:
Post a Comment