ومع بدء حكومات المنطقة في إرساء أسس ديمقراطية جديدة لبلدانها ، يبدو واضحا أن الرسالة الآتية من مواطنيها تتمثل في رغبتهم في أن يشاركوا في العملية. ومن شأن ممارسة المساءلة الاجتماعية تسهيل هذه المشاركة، مع تشجيعها لإدخال تحسينات حقيقية على أسلوب عمل الحكومات وعلى الخدمات المقدمة. ويمكن أن يسهم في تدعيم التحول السياسي بالمنطقة بعدة طرق مهمة، منها:
1- أن يبعث برسالة مفادها أن حكومات المنطقة تريد أن تلتزم بمزيد من الشفافية والمساءلة ،وتسمح للمواطنين بالنهوض بدور نشط في صياغة هذه الإصلاحات وتنفيذها.
2- أن يجعل السياسات أكثر اتصالا باحتياجات المواطنين. ويمكن أن يساعد توفير آليات المشاركة في حوار السياسات على الحد أيضا من مخاطر عدم الاستقرار السياسي. حيث كان الإقصاء من أمور الحكم من العوامل المهمة التي كانت سببا لتفجر الانتفاضات العربية.
3- تمكين المواطن من المطالبة بخدمات أفضل وبالرقابة على استخدام الموارد العامة ، وهو ما يضعه في موقف يجعل منه عنصرا مهما في محاربة الفساد بالجهاز الحكومي والمحاباة وسيطرة النخبة ، وكلها كانت من العوامل الرئيسية وراء تفجر الانتفاضات العربية.
وتعرّف المساءلة ببساطة بأنها التزام مَن في يدهم السلطة بتحمل تبعات أفعالهم. فهي تصف الحقوق والمسؤوليات الموجودة بين الناس، والمؤسسات (وتشمل الحكومات والمجتمع المدني والأطراف الفاعلة في السوق) التي لها أثر على حياتهم. ففي الدول الديمقراطية، تساعد علاقات المساءلة على ضمان تمسك صانعي القرار بالمعايير والقواعد والأهداف المتفق عليها علناً، حيث يمنح المواطنون حكومتهم صلاحية فرض الضرائب والإنفاق وسن القوانين ووضع السياسات وإنفاذها، وفي المقابل يتوقعون منها تفسير وتبرير استخدامها صلاحياتها واتخاذ التدابير التصحيحية عندما تدعو الحاجة.
ومن هذا المنظور نجد أن للمساءلة غرضاً سياسياً (التحقق من إساءة استخدام صلاحيات السلطة التنفيذية السياسية) وغرضاً تشغيلياً (ضمان فعالية أداء الحكومات). لكي تكون المساءلة فعالة لا بدّ أن تشتمل على مكوّنين، هما: المساءلة، وهي الالتزام بتقديم تفسير والحق في الحصول على ردّ، والإنفاذ، وهو ضمان اتخاذ إجراء أو الانتصاف في حالة فشل المساءلة.
وقد تكون المساءلة رأسية (مفروضة من الخارج على الحكومات، أو رسمياً من خلال العمليات الانتخابية، أو بطريق غير مباشر من خلال الانخراط المدني) أو أفقية (مفروضة من قبل الحكومات داخلياً من خلال آليات مؤسسية للرقابة والضوابط والتوازنات
غير أنه وُجد أن صورتي المساءلة، الرأسية والأفقية، غير مرضيتين من جوانب كثيرة (مثلاً، عدم ملاءمة العمليات الانتخابية، عدم كفاية الضوابط والتوازنات التي ترسيها الدولة، قوانين السرية، غياب نقاط الدخول للمواطنين، لاسيما بالنسبة للفئات المهمشة).
وركزت الجهود المبذولة لمعالجة أوجه القصور في صورتي المساءلة الرأسية (الطلب) والأفقية (العرض) على كل جانب بشكل منفصل في العادة. فعلى سبيل المثال، اشتملت الجهود المبذولة لتعزيز المساءلة الرأسية على مساندة الأطراف الفاعلة من المجتمع المدني وتطوير القدرات في المنظمات غير الحكومية وتشجيع مشاركة المواطنين في عمليات السياسات وفي توفير الخدمات وآليات التظلم ونظم الرصد. أما مبادرات المساءلة الأفقية فقد اشتملت على تحسين آليات الحكومة الداخلية للتحقيق في المخالفات الانتخابية والفساد والانتهاكات الحقوقية وتصحيحها وتحسين عمليات مراجعة الإنفاق العام.
وما المساءلة الاجتماعية إلا صورة من صور المساءلة تنبثق عن أفعال المواطنين ومنظمات المجتمع المدني الرامية إلى مساءلة الدولة، وكذلك الجهود المبذولة من الحكومة والأطراف الفاعلة الأخرى (وسائل الإعلام، القطاع الخاص، الجهات المانحة) لمساندة هذه الأفعال.
ومن شأن المساءلة الاجتماعية توفير مجموعات إضافية من المراجعات والتوازنات للدولة من أجل الصالح العام، مما يفضح وقائع الفساد والإهمال والقصور التي لا يتوقع أن تعالجها أشكال المساءلة الأفقية أو لا تقدر على معالجتها. على عكس صور المساءلة الرأسية الأخرى مثل الانتخابات، يمكن غالباً ممارسة المساءلة الاجتماعية بشكل مستمر من خلال وسائل الإعلام والسلطة القضائية وجلسات الاستماع العامة وهيئات المحلّفين المشكلة من المواطنين والحملات والمظاهرات، إلخ. وهكذا فإن آليات المساءلة الاجتماعية تكمّل وتعزز آليات المساءلة الحكومية الرسمية، بما في ذلك الآليات السياسية والمالية والإدارية والقانونية.
وخلاصة القول فان المساءلة الاجتماعية هي أسلوب للإدارة العامة يشرك المواطنين ومنظمات المجتمع المدني في صنع القرارات العامة وإخضاع الحكومة للمساءلة عن أفعالها، ولا سيما فيما يتعلق بإدارة الموارد العامة. وهي طريقة لزيادة الكفاءة في أداء الحكومات عن طريق تمكين المواطن من توضيح احتياجاته، وإشراكه مشاركة كاملة في صنع أنشطة الحكومة مثل صنع السياسات وإدارة الماليات العامة وتقديم الخدمات، في حين يتابع أداء الحكومة ويراقبه ويقدم معلومات تقييمية عنه. وبهذا التعريف، فإن المساءلة الاجتماعية تصبح في جوهرها عنصرا رئيسيا في إحلال الديمقراطية، وبالتالي تصبح ذات أهمية خاصة بالنسبة للبلدان التي تمر بمرحلة تحول في المنطقة العربية.
وهناك آليات وأدوات مختلفة كثيرة يمكنها تعزيز المساءلة الاجتماعية (مثلاً، تعزيز إمكانية النفاذ إلى المعلومات، أو تعزيز وسائل الإعلام المستقلة، أو استخدام أدوات معينة مثل بطاقات مرئيات المواطنين أو هيئات المحلّفين المشكلة من المواطنين).
وللمساءلة الاجتماعية قيمة جوهرية. ويمكن لآلياتها أن تسهم فيما يلي:
1- إرساء وتطبيق سياسات تستجيب لمصالح الشعب العريضة.
2- ضمان تخصيص الموارد للمجالات والخدمات التي يحتاج إليها المواطنون .
3- رصد تدفق الموارد للحد من التسريبات والفساد.
4- مراقبة نوعية ما يقدم من منتجات وخدمات .
وعلى نحو أعم، فإن بيئة السياسات، التي تتسم بالشفافية والتي تساعد المساءلة الاجتماعية على وجودها،يمكن أن تؤدي إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية. وتظهر البحوث الاقتصادية أن البلدان التي تتمتع بدرجة أعلى من الشفافية تكون أكثر قدرة على المنافسة؛ وأن ارتفاع معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر والقدرة على المنافسة يرتبط بارتفاع النمو.
ويمكن للمساءلة الاجتماعية تعزيز نواتج التنمية والتقدم نحو تحقيق التنمية البشرية بوجه عام علاوة على تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية بتعزيز الروابط بين الحكومات والمواطنين من أجل:
n تحسين محور تركيز تقديم الخدمات العامة.
n رصد الأداء الحكومي وتعزيز الحكم المتجاوب.
n التأكيد على احتياجات الفئات المستضعفة في صياغة السياسات وتنفيذها.
n المطالبة بالشفافية وكشف الفشل الحكومي والفساد.
n تيسير إقامة روابط فعالة بين المواطنين والحكومات المحلية في سياق اللامركزية.
n تمكين الفئات المهمشة المقصاة تقليدياً من العمليات المتعلقة بالسياسات.
ويتمحور إطار المساءلة الاجتماعية حول ثلاثة مبادئ أساسية هي: ( 1 ) الشفافية، ( 2 ) المساءلة، ( 3 ) المشاركة. ويتوقف مدى فعالية هذه المبادئ على توفر العديد من الشروط المواتية منها:-
1- المشاركة النشطة للمواطنين في الشؤون العامة تتطلب بيئة مواتية. فمن شأن سن التشريعات الملائمة للتشجيع علىحرية التعبير ،وإجراء انتخابات حرة مستقلة ، وحرية تكوين الجمعيات، أن يوفر ضمانات مهمة للمواطنين ينبغي أن تكون لها أولوية في عملية التحول.
2- تواصل الحكومة مع المجتمع المدني أمر بالغ الأهمية لبناء الثقة وإشاعة الطمأنينة: ففي مناخ ما بعد الثورات الذي يتسم عادة بارتفاع مستوى التطلعات، يمكن للحكومة الجديدة أن تغتنم الفرصة لإشراك المواطنين وأصحاب المصلحة من جميع فئات وشرائح المجتمع في عملية صنع القرار بجميع مستوياتها: سواء منظمات المجتمع المدني، أو المجتمعات المحلية، أو ممثلي الفقراء والمحرومين، أو الجماعات الدينية، أو النسائية. وينبغي دعم هذه المشاركة بآليات للحوار الحقيقي.
3-إفصاح الحكومة مسبقا عن المعلومات المتعلقة بخططها خلال الفترات الانتقالية يساعد على ترويض تطلعات. فخلال الفترات الانتقالية، تواجه الحكومة تحديات تتمثل في الاستجابة لمطالب متعددة في الوقت ذاته. ويتمثل جزء من نجاح تركيا على سبيل المثال في إدارة الفترات الانتقالية في إعلان خطط عملية واقعية وجداول زمنية متوقعة لتحقيق المعالم الرئيسية لتلك الخطط، وهو نهج أسفر عن مساندة واسعة النطاق للحزب الحاكم من مواطنين لديهم المعلومات اللازمة.
4- من الأهمية بمكان الاستثمار في تحسين الخدمات من خلال إقامة علاقات شراكة مع المجتمع المدنى والمستخدمين: فالمشاركة الشعبية التي تقودها منظمات المجتمع المدني يمكنها أن تؤدي إلى تحولات ملموسة في طريقة تقديم الخدمات. وجدير بالذكر أن منظمات المجتمع المدني باستطاعتها أن تكون حليفا قويا للحكومة في إحداث التغيير الإيجابي. وعادة ما يتم ذلك في مجال تقديم الخدمات.
5-المشاركة مع نطاق واسع من أصحاب المصلحة خلال الفترة الانتقالية يزيد من شرعية الحكومة الجديدة ومن استدامة الاصلاحات. خلال الفترات الانتقالية تفتقر الحكومة الجديدة إلى الشرعية اللازمة لتنفيذ إصلاحات طويلة المدى. وتواصلت الحكومة مع منظمات المجتمع المدني والأكاديميين ومراكز البحوث والجماعات الدينية والجماعات الطلابية. من الدروس الرئيسية المستفادة أن أي نظام سياسي منفتح وتشاركي يحتوي الجميع ويخضع للمساءلة يستطيع أن يحقق التوافق الوطني المطلوب وإثارة شعور الجماهير بالمسؤولية وكسب مساندتهم لأولويات الإصلاح الوطني والأهداف الإنمائية.
6-الإجراءات المعتمدة على التشاور مع المستفيدين من خلال لامركزية الإصلاحات والتنمية المدفوعة باعتبارات المحتمات المحلية هي التي تكفل مشاركة المواطنين وتحسين الخدمات: وبالنظر إلى أن التحولات تستغرق وقتا، فإنه يمكن للحكومات الجديدة أن تركز على تنفيذ برامج تعطي نتائج سريعة، كبرامج التنمية المدفوعة باعتبارات المجتمع المحلي. وعلاوة على ذلك، فقد يسهم اتباع الأساليب المعتمدة على التشاور مع المستفيدين خلال عملية التحول في مساعدة المواطنين على تحديد احتياجاتهم بأنفسهم، ويساعد على تدعيم المؤسسات المحلية، وإرساء أسس ثقة المواطنين في الحكومة.
No comments:
Post a Comment