Thursday, May 31, 2012

الأمن الغذائي العربي: العقبات والتحديات



  
الأمن الغذائي العربي: العقبات والتحديات

حسين عبد المطلب الأسرج
ماجستير الاقتصاد،دبلوم معهد التخطيط القومى،باحث اقتصادى أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية،مايو2012
كثر استخدام مصطلح الأمن الغذائي منذ مطلع السبعينيات للقرن العشرين، وأخذ عدة اتجاهات منذ أزمة الغذاء العالمي في عام 73/1974م والتي صاحبها ارتفاع حاد في أسعار الغذاء وانخفاض كبير في المخزون العالمي في الطعام وتبع ذلك أزمات سياسية دولية جعلت من الغذاء والبترول أهم سلعتين استراتيجيتين في الاقتصاد العالمي . هذه الأزمات جعلت مفهوم الأمن الغائي ينصب على نشاطين اقتصاديين هما المخزون الاستراتيجي الغذائي والاكتفاء الذاتي من الطعام أما المخزون الاستراتيجي فهو الطعام المخزون لمقابلة ما قد يحدث من أزمات غذائية أو نقص في الطعام بينما الاكتفاء الذاتي غالباً ما نعني به أن يكون لدى الدولة  أو تحت تصرفها ما يكفي حاجتها من الطعام (إما بالإنتاج أو الشراء ). وشاع استخدام كل من هذين المصطلحين( المخزون الاستراتيجي  والاكتفاء الذاتي ) في مقام الأمن الغذائي . وفي الحقيقة فإن كلا من المصطلحين لا يعني الأمن الغذائي . وهذا الفهم الخطأ أيضا جعل كثيراً من الناس  يخلطون بين الأمن الغذائي والإنتاج الغذائي . والفرق بينهما واضح ، فالإنتاج الغذائي داخل في عملية تحقيق الأمن الغذائي لأن الإنتاج الغذائي  هو عملية توظيف للموارد والمدخلات توظيفا مباشرا للإنتاج ،  مثل الإنتاج الزراعي والحيواني ، بينما الأمن الغذائي هو حالة استقرار غذائي تتضافر فيها جهود الإنتاج الغذائي لكي يكون الجميع في حالة تسمح لها بالحصول على غذائهم في الوقت المراد . كذلك تدخل في جهود الأمن الغذائي بجانب الإنتاج القدرة الشرائية للأفراد الذين لا ينتجون الغذاء كما تدخل أيضا  فيها حركة التوزيع لسلعة الغذاء وهي سلسلة تحريك السلع من مكان الإنتاج إلى مكان الاستهلاك وتشمل التسويق . كذلك فإن من دعامات الأمن الغذائي استتباب الأمن العام والشعور بالأمان لدى  المنتج والمستهلك وكذلك وتأمين المنتجات من النهب وأمن وسائل الإنتاج ( تأمينها من العبث والتخريب). كذلك فمن دعامات الأمن الغذائي حركة التجارة العالمية والاتصال بالأسواق العالمية والعلاقات التجارية الخارجية. (موسي، يناير 2006) وبصفة عامة هنالك محورين أساسين لمفهوم الأمن الغذائي (الطيب، بدون سنة نشر). المحور الأول هو كمية ونوع الغذاء المطلوب توفره لتحقيق الأمن الغذائي والمحور الثاني هو كيفية الحصول على الغذاء سواءً من المصادر المحلية أو الأجنبية وضمان تدفقه من تلك المصادر. فهنالك مجموعة من المهتمين بقضية الأمن الغذائي ركزوا على المحور الأول ولكنهم إختلفوا فيما بينهم وتباينت آراؤهم حول كمية الغذاء المطلوب توفرها لتحقيق الأمن الغذائي. فمنهم من جعل هذه الكمية نسبية وربطها بمستوى الدخل والمعيشة في المجتمع وهو ما يعبر عنه بضمان تدفق الاحتياجات الغذائية المعتادة أو الموضوعية، ومنهم من جعلها مطلقة وهو ما يعبر عنه بضمان حصول كل فرد على السعرات الحرارية المطلوبة للحياة الصحية، وفقاً للمعايير المتفق عليها دولياً بغض النظر عن مستوى دخل الفرد والحياة في المجتمع . ويؤخذ على الذين ركزوا في إهتماهم بقضية الأمن الغذائي على تحديد كمية ونوع الغذاء المطلوب توفره لتحقيق الأمن الغذائي أنهم لم يهتموا بكيفية وسبل تحقيق الأمن الغذائي وبالتالي يعتبر اهتمامهم إهتماماً نظرياً وليس عملياً.
وفي الجانب الآخر ركزت مجموعة أخرى من المهتمين بمشكلة الأمن الغذائي على المحور الثاني المتمثل في كيفية الحصول على الغذاء ومصادره. وأيضاً إختلف هؤلاء وتباينت وجهات نظرهم حول كيفيـة الحصـول علـى كمية الغـذاء التي تحقـق الأمن الغذائي. فهنالك مجموعة المحافظين  والتي تجعل مفهوم الأمن الغذائي مرادفاً لمفهوم الإكتفاء الذاتي وتعبر عنه بقدرة المجتمع أو الدولة على توفير الاحتياجات الغذائية لجميع السكان بالكمية والنوعية المطلوبة من الانتاج المحلي حتى لو تطلب ذلك التضحية بالإستخدام الأمثل للموارد الزراعية. وبالتالي بالنسبة لهؤلاء كلما كانت النسبة الأكبر من إحتياجات المجتمع الغذائية منتجة محلياً (أي كلما كانت نسبة الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية عالية) كلما كان ذلك أدعى للمحافظة على وإستدامة  وعدم تهديد الأمن الغذائي وأن البلدان التي لا تستطيع توفير الغذاء لشعوبها من انتاجها المحلي ربما تصبح عاجزة أمام الضغوط التي تواجهها، مما يعرض أمنها للخطر، وإستقلالها للإنتقاص وربما أدى ذلك للتبعية الإقتصادية والسياسية، خاصةً في عالم اليوم الذي تسود فيه علاقات سياسية وإقتصادية معقدة ومتوترة. ولذلك يعتبر هؤلاء أن معدل الاكتفاء الذاتي من المنتجات الغذائية هو أهم مؤشر، بل وربما المؤشر الوحيد لمستوى الأمن الغذائي. ويؤخذ على هذه المدرسة أن تحقيق الأمن الغذائي بمفهوم الإكتفاء الذاتي من المنتجات الغذائية قد يتعارض مع تحقيق مفاهيم أمنية أخرى مثل الأمن البيئي والأمن المائي ومع تحقيق هدف التنمية الزراعية والاقتصادية المستدامة والذي يستلزم توجيه الموارد نحو الاستخدامات والأنشطة المثلى التي تحقق أفضل عائدات. وهنالك مجموعة أخرى من الذين ركزوا في اهتمامهم بقضية الأمن الغذائي على محور كيفية الحصول على الغذاء ومصادره ترى أن الأمن الغذائي ليس من الضرورة أن يتحقق فقط بالإعتماد على الانتاج المحلي من الغذاء، وإنما بقدرة الدولة على توفير الموارد المالية الازمة لإستيراد إحتياجاتها الغذائية. والانتقاد الرئيسي الذي يوجه لهذا المعسكر من المهتمين بقضية الأمن الغذائي هو جعلهم الحصول على الإحتياجات الغذائية من الخارج نتيجة حتمية لإمتلاك الموارد المالية الازمة وهو إفتراض تشوبه كثير من الشكوك والمحاذير وتدحضه كثير من الأحداث والوقائع العملية. فعلى سبيل المثال في عام 1965م إمتنعت الولايات المتحدة الأمريكية عن بيع القمح لمصر في السوق الحرة بالرغم من قدرتها على سداد قيمته، مستغلة في ذلك الانخفاض الكبير في انتاج القمح في الاتحاد السوفيتي الذي كان يمثل مصدراً لواردات مصر من القمح. (الطيب، بدون سنة نشر)

ولا شك في أن إنعدام الأمن الغذائي يعتبر من أهم مهددات الإستقرار والأمن على المستوى المحلي والقومي والإقليمي والدولي. فالطعام هو أول مقومات الحياة، وعدم توفره بالصورة المطلوبة يؤدي إلى الاضطرابات والفوضى واختلال الأمن. ولذلك فإن توفير الطعام للسواد الأعظم من السكان، بأسعار تناسب دخولهم – يعتبر من أهم دواعي استتباب الأمن في المجتمع ومؤشراً للعلاقة بين الحكومات ومواطنيها. وتزداد في الوقت الراهن أهمية الأمن الغذائي كمدخل للأمن الإنساني يوماً بعد يوم حيث أصبح إنتاج الغذاء وتوفيره محكوماً بسياسات بعض الدول والتي حولت بعض السلع الغذائية كالقمح والأرز الى سلع إستراتيجية تستخدمها كسلاح ووسيلة لخدمة أهدافها ومصالحها الخاصة. وتكمن خطورة الأمر في أن الدول العظمى تكاد تحتكر معظم فائض الانتاج الزراعي والغذائي وتستطيع أن تستخدمه كسلاح لخدمة أغراضها متى ما أرادت. ويؤكد ذلك ما قاله الرئيس الأمريكي السابق فورد "بأن الترسانة الأمريكية تضم سلاحاً سياسياً ذا فعالية خاصة ... إنه الغذاء. ولذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية ليست في حاجة إلى إستخدام الأسلحة الحربية في المستقبل طالما أصبح الغذاء أكبر سلاح" .   لهذا فان العرب مطالبون بتسخير كل امكاناتهم الماديه والبشرية لتحقيق الأمن الغذائى.

ومع أنالأمن  الغذائي العربي يعد مقوماً مهماً من مقومات الأمن القومي العربي، ومع وجود  45% من العرب يقطنون في الأرياف ونحو 31 %  من قوة العمل العربيةتعمل في الزراعة، وتميز الوطن العربى بوجود مساحات واسعة من الأراضيالزراعية، وتوافر تريليوناتالدولارات المستثمرةفي الخارج ، الا أن أغلب الدول العربية تستورد ملايين الأطنانمن المواد الغذائية سنوياً بملياراتالدولارات.وتشير تقديراتمنظمة الأغذيةوالزراعة الدولية(الفاو)إلى ارتفاع متوقع لأسعار السلع الغذائية العالمية خلال العقد القادم وبنسب متفاوتة،وذلك في ضوء استمرار النمو السكاني المرتفع، وتحسن الأوضاع المعيشية في دول الكثافة السكانية، والتغيرات المناخية، وتباطؤ النمو. أما في الدول العربية، فإن استيراد الأغذية يتزايد منذ منتصف سبعينيات القرنالماضي، حيث ازدادت نسبته في السنوات الأخيرة، ففي عام1990 كانت قيمة الفجوة حوالي 11.8 مليار دولار، ارتفعت إلى حوالي 13.9مليار دولار عام 2000 ، ثم ازدادت إلى حوالي 18.1 مليار دولار عام 2005 ، وقبل ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً. كما بلغت حوالي 23.8 مليار دولار عام 2007 وازدادت بنحو 40 فيالمائة في عام2008 مقارنة بعام 2005 وتظهر هذه الأرقام أن الفجوة ازدادت بمعدل سنوي بلغ 1.7 فيالمائة خلال الفترة1990-2000 ،بينما ازدادت بمعدل سنوي بلغ 8 % خلال الفترة 2000-2007 .(صندوق النقد العربى، 2010) وقد قُدرت قيمة الفجوة الغذائية في  الوطن العربي ب 37 مليار دولار سنة2010 بينها 21 مليار في مجال الحبوب  (المنظمة العربية للتنمية الزراعية، 2010)،على الرغم من إنتاج الوطن العربي منالحبوب يعادل نحو 2.3  % من الإنتاج العالمي عام 2009. ووصلتنسبة ناقصي الغذاء الى 11 % من مجموع السكان، وتجاوزت في بعض الدول ال 70%. (سعيد، 2011)
ولا شك فى أن هناك تداخل وإرتباط الأمن الغذائي بمفاهيم الأمن الأخرى مثل الأمن المائي والأمن الإقتصادي والأمن البيئي وتأتي أهمية الموارد الطبيعية الزراعية (الأراضي الزراعية والمياه)، والموارد البشرية والمالية الازمة لإستغلالها كعوامل محددة للأمن الغذائي.
وبحسب رأى الخبراء هناك العديد من العقبات والتحديات التى تواجه أية استراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي العربي على رأسها: (المنظمة العربية للتنمية الزراعية العربية، 2009)
1.    ندرة الموارد المائية وتركيز السياسات على تنمية العرض دون ترشيد الطلب
2.    تواضع التقدم التقني في الإنتاج الزراعي العربي، وضعف الخدمات الزراعية المساندة
3.    سياسات الأمن الغذائي تركز على محور الاكتفاء الذاتي دون المحاور الأخرى
4.    تركيز السياسات الزراعية القُطرية على الإنتاج دون التسويق والتصنيع الزراعي
5.    ضعف الاهتمام بالمنظور التكاملي للتنمية الزراعية العربية
وختاما يجدر التنبيه الى ضرورة وضع استراتيجية متكاملة توائم بين سياسات الإنتاج الزراعي وسياسات التصنيع الزراعي ووضع خريطة تتضمن كافة فرص التصنيع الزراعي الظاهرة والكامنة في كافة الدول العربية وتسويقها وتوفير البنية الأساسية والعمالة والتمويل اللازم لاستغلال هذه الفرص، على أن يتم تضمين دور المشروعات الصغيرة بها من خلال تكامل حقيقي بين وزارات الزراعة والصناعة والاستثمار والري وتقوم المحافظات والتعاونيات الزراعية بدور كبير فيها.
المراجع
إبراهيم أحمد سعيد. (2011). أهمية الاستثمارات في الأمن الغذائي العربي:(الاقتصاد الزراعي العربي واقعاً طبيعياً وبشرياً) ،مجلة جامعة دمشق،المجلد 27 ،العدد الثالث والرابع..
المنظمة العربية للتنمية الزراعية. (2010). أوضاع الأمن الغذائي العربي. جامعة الدول العربية.
المنظمة العربية للتنمية الزراعية العربية. (2009). البرنامج الطارئ للأمن الغذائي العربي والخطة التنفيذية الإطارية: المرحلة الأولى (2011-2016) . الخرطوم: جامعة الدول العربية.
صديق الطيب. (بدون سنة نشر). المفاهيم الأمنية في مجال الأمن الغذائي، المملكة العربية السعودية: كلية علوم الأغذية والزراعة ، جامعة الملك سعود.
صندوق النقد العربى. (2010). التقرير الاقتصادى العربى الموحد لعام2009.
عوض خليفة موسي. (يناير 2006). التعاون الافريقي في تحقيق الأمن الغذائي، الندوة العلمية – محور درء الكوارث: ملتقي الجامعات الأفريقية (التعاون والتداخل ).

No comments:

Post a Comment