تعتبر الصناعة أحد الركائز الأساسية لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية سواء في الدول المتقدمة أو النامية لدرجة أنها أصبحت مؤشرًا لقياس التقدم الاقتصادي. ويحتل القطاع الصناعي درجة عالية من الأهمية في الاقتصاد العربى، تزداد بصفة خاصة مع التطورات المحلية والدولية التي شهدها عقد التسعينيات من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، حيث تلعب الصناعة دورًا كبيرًا في توفير فرص العمل والحد من مشكلات البطالة، هذا بالإضافة إلى دورها في تنمية الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد ودعم القدرات التصديرية للبلاد .ويقيس الاقتصاديون تقدم الدولة في مجال التصنيع بثلاثة مؤشرات أساسية: نصيب الصناعة التحويلية -أي دون حساب التعدين والتشييد- في الناتج الإجمالي، ونصيبها في العمالة، ونصيبها في الصادرات. فكلما ارتفعت هذه المؤشرات - وانخفضت بالتالي أنصبة الزراعة والمواد الأولية والخدمات- كان هذا دليلاً علي التقدم في التصنيع.
وقد أدرك القادة الصناعيين بمرور العقود الماضية أهمية البيئة التي يعملون بها،وشجع الكثيرون منهم على تطبيق مبادرات تطوعية لتخفيض الأعباء عليها. وليس هذا نتيجة وجود إحساس بيئي عال فحسب بل نتيجة تطور استراتيجيات عمل شاملة ومتكاملة بحيث تتجاوب الصناعة مع التغيرات المتعلقة بالتشريعات القانونية العلمية في الوقت الذي تلبي فيه احتياجات الشركاء المعنيين. وينصب اغلب التفكير الحالي في مجال حماية البيئة على ما يمكن عمله بشأن النفايات والانبعاثات بعد تشكلها لمنع التلوث من خلال توظيف تقنيات الإنتاج الأنظف.ويعتبر الإنتاج الأنظف الطريقة الأكثر فعالية والوسيلة الأكثر كفاءة في تشغيل العمليات الصناعية وتصنيع المنتجات المختلفة وتقديم الخدمات السليمة .
ويعد تطبيق منهج الإنتاج الأنظف أحد السبل لتحقيق غاية الارتقاء البيئى والتنمية المستدامة التى تساهم فى الحفاظ على الموارد والاستخدام الأمثل لها وخفض الملوثات الناتجة من العمليات الصناعية. بالإضافة إلى العلاقة المباشرة بين الإنتاج الأنظف والتنمية المستدامة، هناك عدد من العلاقات التكاملية بين التطبيقات المختلفة التى تحقق الغايات المرجوة. فإجراءات ومبادرات تحديث الصناعة العربية بهدف تحسين العمليات الصناعية وزيادة كفاءة استخدام الموارد تعزز من تطبيق أسس الإنتاج الأنظف فى العمليات الصناعية، والإنتاج الأنظف يساهم مساهمة أساسية فى تحديث الأصول الصناعية ويساهم بشكل كبير فى تحسين الإنتاجية ورفع كفاءة الإنتاج. من ناحية أخرى فإن إدماج مفاهيم الإنتاج الأنظف فى عملية التصنيع ينتج عنه منتجات تفى بأحد شروط نفاذ المنتجات العربية إلى الأسواق العالمية وتساهم فى فتح الطريق أمام التصدير. وكما أن فتح أسواق للمنتجات العربية وزيادة الطلب على المنتجات النظيفة سوف يشجع الصناعات على أخذ مبدأ الإنتاج الأنظف بعين الاعتبار.
ولعل أهم القطاعات الصناعية التى يمكن أن تسهم تكنولوجيات الإنتاج الأنظف فى تنميتها، هى قطاع الصناعات الغذائية والمشروبات، وقطاع الغزل والنسيج، وقطاع الصناعات الكيماوية، قطاعات التعدين، والصناعات المعدنية.
ومفهوم الإنتاج الأنظف مفهوم نسبى، دائم التغير. فالإنتاج الأنظف اليوم قد لا يعتبر كذلك فى المستقبل، ويشتمل مفهوم الإنتاج الأنظف على مايلى:-
- استراتيجية شاملة تدخل في الاعتبار عمليات الاستخراج والإنتاج ومواردها وتقنياتها وصيانتها وخدماتها بما فيها المواد والطاقة وخواصها وعناصرها واستخداماتها ونواتجها ومصيرها .
- عملية إنتاجية حكيمة ( قبل كل شيء ) تحقق الربح والوفر الاقتصادي وترفع إمكانيات المنافسة بزيادة فعالية العمل وجودة الإنتاج ، وتخفيض الهدر ومنع التلوث وآثاره .
- وسيلة إدارية مجدية تحقق رغبات العملاء والزبائن والمجتمع المتزايدة لمنتجات وخدمات صديقة للبيئة أو أقل ضرراً لها.
- يسمح بإنتاج أكبر وأفضل باستخدام أقل (للمواد الأولية والموارد والطاقة) وبإفراز أقل (للنفايات والانبعاثات)،وبالتالي يخفض إلى الحد الأدنى حدوث التأثيرات البيئية
- يعالج المشكلة من الأصل بمسبباتها وليس أعراضها، إنه خطوة وقائية متقدمة عن إدارة النفايات أو المعالجة عند نهاية الخط .
- طريق عملي لتطبيق التنمية المستدامة.
وبناء على ذلك فإن تبني الإنتاج الأنظف في الصناعات يقدم كثيرا للجيل الحالي وللأجيال القادمة يساعدهم على الحياة والرفاهية ، و ذلك لأن استراتيجية الإنتاج الأنظف ليس لها هدف واحد فقط ولكن لها أهداف عديدة متكاملة بالإضافة إلى مفاهيم متعددة الأوجه والأبعاد. ويمكن في المجالات المختلفة على سبيل المثال حث الإنتاج الأنظف على الإقلال من التكاليف وتخفيض النفايات وإعادة التدوير وإنقاذ المواد الخام ومواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ووضع حلول للتحديات البيئية مثل تلوث الهواء والتنوع الحيوي... الخ.
والهدف من تطبيق تكنولوجيا الإنتاج الأنظف هو تحقيق ما يلى :
- تلبية حاجات المجتمع بالحصول على المنتجات اللازمة باستعمال مواد سليمة قابلة للتدوير وتكون غير مستهلكة للطاقة وللمياه والتربة وغيرها من المواد الأولية وبخاصة غير المتجددة
- الحفاظ على الثروات الوطنية وترشيد استغلال الموارد الطبيعية والطاقة إلى المستوى الأمثل.
- الاستغناء عن استعمال المواد الكيمائية السامة وبالتالي عن إنتاج النفايات السامة بما يعنى حماية صحة الإنسان والبيئة.
- تطبيق العدالة والمساواة الاجتماعية بحيث يتم استخراج الموارد وإنتاج المواد وتأمين الخدمات بطريقة متساوية تسمح بمشاركة جميع المعنيين , فللمواطنين الحق في المشاركة في عملية اتخاذ القرارات التي ستؤثر على اقتصادهم وصحتهم وبيئتهم وثقافتهم .
- تحقيق مستويات أعلى من الجودة والإنتاج وكتحصيل حاصل الربح المادي .
ويمكن أن نوجز الفوائد التى تعود على الصناعات الصغيرة والمتوسطة العربية نتيجة استخدام تكنولوجيا الإنتاج الأنظف بالتالي:
- تخفيض التكلفة ( تخفيض في المواد الأولية والنفايات) .
- تحسين الجودة الفنية والسلامة الصحية والبيئية للمنتج .
- تحسين فرص التسويق ورفع المقدرة التنافسية .
- تحقيق بيئة عمل آمنة .
- ضمان السهولة في تنفيذ القوانين والتشريعات ( وخاصة البيئية) .
- تخفيض الآثار البيئية السلبية والمسؤولية القانونية والمالية الناجمة عنها .
وهناك العديد من المعوقات الرئيسية التى تؤثر سلبًا فى انتشار منهج الانتاج الأنظف،منها:
- عدم توافر المعلومات والخبرات المناسبة اللازمة. فبالرغم من الإمكانيات والفوائد المتوقعة من تطبيق ذلك المنهج لتحسين الميزة التنافسية للمنشأة، إلا أنه فى كثير من الحالات لا يمكن استغلال هذه الفرص بسبب نقص المعلومات. وقد يساهم نقص المعلومات المحددة عن التكنولوجيات النظيفة فى خلق إحساس بالمخاطرة فى تطبيق هذه التكنولوجيات والشك تجاهها.وتعانى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، على وجه الخصوص، من نقص الموارد والخبرات اللازمة لتنفيذ أفضل الممارسات البيئية، وأغلبها قد يجد صعوبة فى استيعاب المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بفكرة الإنتاج الأنظف.
- الوعى المحدود بمبادئ الإنتاج الأنظف:قد يكون هناك نقص في الوعى العام لدى إدارة المنشآت، أو على مستوى صنع القرار،بمبادئ الإنتاج الأنظف وفوائده الكامنة التى تميزه عن الاستراتيجيات القائمة على أساس معالجة التلوث بعد تولده. وفى المنشآت الكبيرة، قد يكون مدير الإنتاج أو مهندس المصنع واعيا أحيانا بالقيمة الكامنة للإنتاج الأنظف ولكنه غير قادر على توصيل هذا المفهوم إلى الإدارة العليا.وعامة، فإن الوعى بمزايا الإنتاج الأنظف مازال دون الحد المطلوب، حتى فى المنشآت الكبيرة، وبالأخص فى المنشآت الصغيرة والمتوسطة. من جهة أخرى يعد نقص وعى العاملين من أهم العوائق التى تواجه تطبيق الإنتاج الأنظف فى المنشآت الصناعية.وذلك يستلزم وضع سياسة داخلية خاصة بكل منشأة للتدريب والتوعية طبقا لحاجة المنشأة.أيضا عدم توافر الوعى الكافى لدى الجهات الحكومية، قد لا يكون مسئولو الحكومة على وعى ودراية بمميزات الإنتاج الأنظف. وحيث أنه يمكن اعتبارهم من أهم جماعات الضغط المؤثرة خارج نطاق الصناعة ، فإن نقص الوعى لديهم يعتبر عائقًا يجب العمل للتغلب عليه.
- معوقات التوجهات:قد يكون بعض صانعى القرار والسياسات غير معتادين على الاستراتيجيات الوقائية. وقد يرجع ذلك إلى النظم التشريعية (وخصوصًا المواصفات التكنولوجية) التى تميل فى الغالب نحو حلول قد تؤدى أحيانًا الى نقل التلوث من وسط لآخر ويمكن أن تبطئ بالفعل إدخال التحسينات التكنولوجية الى الصناعة.وببساطة فإن هناك حافزا أقل لتقليل الحاجة الى أداة مكلفة للسيطرة الى التلوث بعد أن يكون قد تم وضعها فى مكانها.كما أن طبيعة الإجراءات التنظيمية التى تحدد زمنا للالتزام، تمثل حافزًا عكسيًا للنهج الاستراتيجى والتخطيط الطويل المدى اللازم لتحقيق الإنتاج الأنظف. وزيادة على ذلك، فإن الشك العام أو عدم اليقين الذى قد يكون موجودًا فى محيط الأعمال قد يثنى عزم متخذى القرار على تبنى أساليب مبتكرة.وتنتج العوائق أيضًا من الخبرات الهندسية التى تستخدم التصميم المبنى على التجربة العملية (وليس على المعرفة العلمية)، وكذلك من التخصص الدقيق الذى يعوق رؤية الصورة الكاملة المطلوبة لمنهج الإنتاج الأنظف.كما أن التحليل المالى، الذى اعتاد على توقع عائدات متناقضة، قد لا يطمئن الى مفاهيم الإنتاج الأنظف التى ترى أن إعادة النظر الشاملة قد تحقق مكاسب أعلى من التغييرات الصغيرة المتدرجة.
- عدم وضوح الأهداف:إن خبرة بعض البلاد التى لم تشهد بعد نشاطًا للإنتاج الأنظف هو أن صانعى السياسات على المستوى القومى قد فشلوا فى صياغة أهداف واضحة وسياسات تنفيذية لتحقيق الإنتاج الأنظف. ونتيجة لذلك لا يوجد إطار نافع يمكن للصناعة الرجوع إليه فيما يتعلق بأهمية تحقيق الإنتاج الأنظف على المستوى القومى.الى جانب غياب الشفافية فى الصناعة،لا تتسم الصناعة فى مصر- كما هو الحال في معظم البلاد النامية- بالشفافية. وهناك تقليد راسخ من الغموض والسرية يحيط بعالم الأعمال، وقلما تجد منشآت تعلن على الملأ عن أعمالها وخاصة فيما يتعلق بالأداء البيئى. وهذا يجعل من الصعب بمكان للمجتمعات المتأثرة من الصناعة معرفة طبيعة الخطر المعرضة له، وبالتالى يكون ضغطها أقل لإحداث تغيير.لهذا فإن القوانين الملزمة تساعد على خلق بيئة تشجع الصناعة على الالتزام وتؤيد المطلب الداعى لاستخدام وسائل أكثر كفاءة لتحقيقه.
- محدودية القدرة على توفير تمويل داخلى:بالرغم من الإمكانيات والفوائد الممكنة للإنتاج الأنظف من ناحية تحقيق وفورات كبيرة، إلا أن منع التلوث بالمنشآت تعترضه عدة عوائق حقيقية أو معتقدة فيما يتعلق بالتمويل الداخلى. فإن عنصر المخاطرة والشك فى أداء بعض التكنولوجيات وممارسات الإدارة يمكن أن يتسبب فى إحجام المنشآت عن الاستثمار فى الإنتاج الأنظف. ويمكن أن تشمل المعوقات المالية الداخلية التى تحول دون تطبيق الإنتاج الأنظف منها عدم فهم وصعوبة التكهن بالتكاليف التى ستتحملها المنشأة مستقبلا(مثل تكاليف التخلص من المخلفات(،التركيز على الفائدة المتحققة على المدى القصير وتأثير ذلك على الإحجام عن استثمار يكون زمن الاسترداد فيه طويلا ، نقص الاستثمارات الرأسمالية بسبب هامش الربح الضئيل ،اقتصاديات الحجم تمنع المنشآت الصغيرة من الاستثمار فى البدائل الخاصة بخفض المخلفات مثل تكنولوجيات استرداد المواد داخل المصنع نفسه.مثلما تعتبر محدودية القدرة على توفير تمويل داخلى أحد معوقات الاستثمار فى الإنتاج الأنظف، فإن صعوبة الحصول على تمويل خارجى تمثل معوقًا أخر. وهذه المشكلة تعانى منها بصفة خاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة بسبب نقص الضمانات اللازمة للحصول على التمويل وغياب آليات التمويل المناسبة.
ولتعميم تطبيق تكنولوجيا الإنتاج الأنظف فى مجال الصناعات الصغيرة والمتوسطة العربية،فان يجب التأكيد على ضرورة الأخذ بالتالي :
1. تغيير توجهات متخذي القرار في الصناعة لإدراك أهميته وفوائده المالية والاقتصادية.
2. توافر ( العمل على توفير ) وعي للإدارة البيئية السليمة .
3. العمل على تعزيز التطوير التكنولوجي واستخدام التقانات الحديثة.
4. استخدام أساليب تطبيق الإنتاج الأنظف.وتشمل
أ-تغيير العمليات :
تغيير في المواد الأولية.
تعديل عملية الإنتاج أو التحكم بها.
تغيير وتطوير الأجهزة المستخدمة.
تغيير التقنية المتبعة
ب- اختيار المواد:
استعمال المواد المتوفرة بكثرة .
استعمال المواد الطبيعية البسيطة وغير المركبة .
استعمال المواد القابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير أوالمدورة .
استعمال المواد القابلة للتحلل في الطبيعة .
تجنب المواد المستعصية أو السامة أو القابلة للتراكم في الأغشية الحيوية .
تجنب استعمال عدد كبير من المواد المختلفة .
ج- استخدام التصميم الهندسي الصديق للبيئة :حيث ينتج عنه عدة فوائد بيئية وتقنية واقتصادية.
بيئياً : يحد من النفايات وهدر الطاقة، يحد من المخاطر المحتملة، قابل لإعادة التدوير.
تقنياً : عملي وفعال، ذو جودة ومتانة، ذو ديمومة عالية.
اقتصادياً : قابل للتسويق، منافس بسعره، كلفة التشغيل معقولة.
5. الترويج لنشر ثقافة الإنتاج الأنظف:يؤثر نقص المعرفة بعدد من الحقائق الهامة عن الإنتاج الأنظف على توجه القطاع الصناعي ومدى تقبله للموضوع لذا يعتبر التعريف بهذه الحقائق خطوة أولى ضرورية.
No comments:
Post a Comment