تعانى الكثير من الدول النامية من كبر حجم القطاع غير الرسمى ، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن حجم القطاع غير الرسمى فى اقتصادات الدول النامية يمثل نسبة مرتفعة تتراوح بين 30-70% من إجمالى الناتج القومى لهذه الدول، وهو ما يعنى أن نسبة كبيرة من الأنشطة الاقتصادية فى الدول النامية يتم تشغيلها بمستوى أقل من المستوى الأمثل للتشغيل وبتكلفة مرتفعة ، وهو ما يحد من الاستفادة من الموارد والطاقات المتاحة لهذه المنشآت التى تعمل داخل هذا القطاع حيث تتصف معظمها بانخفاض معدلات الإنتاجية ومعدلات جودة المنتج وذلك نتيجة عدم قدرتها على الاستفادة من الخدمات التمويلية وغير التمويلية المقدمة للقطاع الرسمى وبالتالى يمثل بقاء هذه المنشآت داخل الإطار غير القانونى عائقاً أمام نموها وزيادة قدرتها التسويقية.
وهنا محاوله للتعرف على وضع القطاع غير الرسمى فى مصر ومعوقات تحويله الى القطاع الرسمى.
والمقصود بالقطاع غير الرسمى هى تلك الفئة من الصناع أو التجار التى تعمل فى الخفاء ،وهدفهم الأول هو الحصول على الربح السريع دون الالتزام بأى أعباء مالية سواء تأمينية أو ضريبية.وبصورة أبسط، يمكن تعريف القطاع غير الرسمي بأنه "أنشطة اقتصادية لا تخضع لرقابة الحكومة ولا يتم تحصيل ضرائب عنها، كما أنها لا تدخل في حسابات الناتج القومي الإجمالي على خلاف أنشطة القطاع الرسمي التي تخضع للنظام الضريبي والرقابة وتدخل في حسابات الناتج القومي الإجمالي" . ويتسم القطاع غير الرسمى فى مصر بغلبة المشروع الفردي، حيث إن 92% من منشآت القطاع غير الرسمي في مصر تعتبر مشروعات فردية، وهذه النسبة تفوق مثيلتها على مستوى القطاع الخاص المصري كله والتي بلغت نسبة المشروعات الفردية فيه 80% من المنشآت العاملة في القطاع الخاص وفقًا لإحصاءات تعداد عام 1986، و86% منها في تعداد عام 1996، حيث إن المشروع الفردي هو الكيان القانوني الغالب على منشآت القطاع الخاص المصري.وقد أظهر تحليل المنشآت التي تستخدم آلات ومعدات في القطاع غير الرسمي أن 54% منها يعتمد على التشغيل اليدوي، في حين يعتمد 37% منها على الطاقة الكهربائية و8% على الغاز، بينما اعتمدت نحو 36% من منشآت القطاع شبه المنظم على التشغيل اليدوي، و57% منها على الطاقة الكهربائية. وبالنسبة لقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة فان هناك حوالى 83.6% منها غير رسمي فى عام 1998 (آخر بيانات توافرت)،مقارنة بنحو 82.9% فى عام 1988 .وتنقسم المشروعات الصغيرة والمتوسطة الغير رسمية الى نوعين: النوع الأول،وهى المشروعات التى تعمل داخل المنشآت وهى تمثل 81% من النشاط غير الرسمى وتتمثل فى مشروعات خدمية وتجارية.أما النوع الثانى،وهى مشروعات تعمل خارج المنشآت وتتمثل فى الباعة الجائلين والمصانع غير الشرعية والتى لم تحصل على تراخيص عمل ،وهذه الفئة تمثل 40% من اجمالى الأنشطة غير الرسمية طبقا لآخر الإحصائيات.
ومما يستحق الانتباه أن أنشطة القطاع غير الرسمي ترتبط بروابط مباشرة وغير مباشرة بالإنتاج والخدمات والتجارة مع القطاع الرسمي، فمن ناحية، تتجه المصانع إلى الاعتماد في بعض عمليات التصنيع على القطاع غير الرسمي وذلك لتقليل النفقات وإيجاد أساليب إنتاج أكثر مرونة عن طريق التعاقد من الباطن مع القطاع غير الرسمي لأداء بعض العمليات، ومن ناحية أخرى، يقوم القطاع غير الرسمي بتوفير العديد من السلع والخدمات الرخيصة نسبياً لمحدودي الدخل العاملين في القطاع الرسمي.ومن ناحية أخرى، تمثل القدرات الإدارية والتكنولوجية المتدنية للمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة عائقاً كبيراً أمام تحقيق الروابط الأمامية والخلفية مع المنشآت الكبيرة والأجنبية.
ومن منطلق اعتبار أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة ليست كيانا مستقلا بحد ذاته وإنما هو جزء من مجموعة مترابطة ذات علاقات متداخلة،لذلك فانه على الرغم من وجود منافسة بين المشروعات سواء رسمية أو غير رسمية ،إلا أنه يمكن أن يكون هناك نوع من العلاقات المتبادلة بين القطاعين تتمثل فى تحركات الأيدي العاملة والتنقلات بين القطاعين والضغط على الأجور،أيضا يمكن أن يكون هناك تحركات للمنتجات ،فقد يعتمد القطاع غير الرسمى على القطاع الرسمى فى الحصول على المواد الخام والسلع الوسيطة ،كما قد يستفيد القطاع الرسمى من بعض منتجات القطاع غير الرسمى كمدخلات ،كأن يعتمد بعض المشتغلين فى القطاع الأول على القطاع الثانى فى الحصول على سلع وخدمات رخيصة بالمقارنة بالحصول عليها من القطاع الأول.
لذلك فانه يجب التأكيد على أنه عندما تقرر الدولة تعقب الوحدات الاقتصادية غير المنتمية للقطاع الرسمى لإجبارها على استكمال كافة إجراءات التسجيل وعلى الانضمام للمجتمع الضريبى ،فانه يتوقع ألا تستطيع هذه الوحدات الصمود أمام هذه السياسة،وستحاول الاختفاء عن أعين السلطات أو أنها سوف تتوقف عن ممارسة نشاطها،وبذلك قد تفقد الدولة قدر كبير من أنشطتها الاقتصادية.لهذا تتطلب مواجهة قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة العشوائية غير الرسمية ضرورة وضع حلول غير تقليدية لتشجيع هذا القطاع على الاندماج والتعامل بشكل شرعى جنبا الى جنب مع القطاع الرسمى–دون مطاردته والقضاء عليه- فهذا القطاع لا يمكن إغفاله أو التغاضي عنه،خاصة أن إدماجه سيساهم فى دعم النشاط الصناعى الرسمى فى مصر،وزيادة الصادرات المصرية،كما سيساعد على رفع معدلات النمو وتحقيق توزيع جيد للدخل وتحقيق زيادة فى الناتج المحلى الاجمالى فى حدود 1.3%،كما سيساعد على الدقة فى التخطيط الاقتصادى والقضاء على ظاهرة عدم صحة إحصاءات نسبة البطالة والدخل القومى والناتج القومى وحجم التهرب الضريبي،ومواجهة آثارها السلبية العديدة.
لهذا تعد قضية تحول القطاع غير الرسمى إلى قطاع رسمى أحد الموضوعات الحيوية متعددة الجوانب ،فهي نقمة على الاقتصاد المصري اذا طلت علي حالها وتفاقمت آثارها السلبية وغزت منتجاتها الضاره الاقتصاد المصري.وهي نعمة اذا احسن استغلالها وتقنينها بما يخدم الاقتصاد المصري ، فقديماً كان ينظر إلى القطاع غير الرسمى على أنه وسيلة للتهرب من الأعباء الضريبية والاجتماعية والتحلل من القيود الرسمية، والآن أصبح ينظر لهذا النشاط غير الرسمى على أساس أنه عبء على هذه المنشآت وأن بقاء هذه المنشآت خارج القطاع الرسمى يحرمها من الآثار الإيجابية التى تتحقق للمشروعات التى تتحول للعمل فى القطاع الرسمى.
وهنا يجب التأكيد على أن ممارسات القطاع غير الرسمى لا يمكن تركها لأن نتائجها السلبية تؤدى الى إغلاق المنشآت الرسمية والتى لم تعد تحتمل المنافسة الشرسة مع المنتجات الأجنبية المهربة من جانب ،والسلع المقلدة والمجهولة المصدر من جانب آخر والتى يتم بيعها دون الالتزام بأى أعباء مالية ،وهو ما يؤثر بالطبع بالسلب على القطاعات التى تعمل بشكل رسمى وتلتزم بكل مسئوليتها تجاه الدولة.
وفى الختام يجب التأكيد على أن مساعدة القطاع غير الرسمى للدخول والاندماج فى القطاع الرسمى أصبح أمر فى غاية الأهمية،ويجب أن يحظى باهتمام جميع الجهات المعنية،فهذا القطاع رغم أنه كيان ضخم لا يلتزم بسداد أى أعباء مالية تجاه الدولة وأصبح يشكل خطورة على القطاعات الرسمية،كما يجب التأكيد على أن مواجهة قطاع المشروعات العشوائية غير الرسمية يتطلب ضرورة وضع حلول غير تقليدية لتشجيع هذا القطاع على الاندماج والتعامل بشكل شرعى جنبا الى جنب مع القطاع الرسمى .