Thursday, April 11, 2013

نحو تطوير وابتكار أدوات تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة فى مصر



تعانى أغلب المشروعات الصغيرة والمتوسطة من عدم حصولها على الخدمات التمويلية المناسبة لتغطية احتياجاتها من رأس المال العامل والثابت على أسس تتسم بالاستمرارية.والجدير بالذكر أن 5% فقط من المشروعات الصغيرة تحصل على تمويل مصرفى،فأغلب مؤسسات القطاع المالى وأدواته غير مهيأة لخدمة المشروعات الصغيرة وذلك لعدم الخبرة فى أسلوب المتابعة ولارتفاع تكلفة الخدمة نسبيا.ولهذا تشكل الخدمات التمويلية مكونا رئيسيا فى جهود تنمية المشروعات الصغيرة ،الا أن ضيق نطاق هذه الجهود بالاضافة الى اعتماد أغلبها على مصادر الدعم الخارجى،يجعلها غير قادرة على تلبية احتياجات المنشآت الصغيرة بصورة منتظمة.
أولا:الاقتراض طويل ومتوسط الأجل:يأتي الاقتراض طويل ومتوسط الأجل من أهم الأدوات التى تلجأ إليها المشروعات الصغيرة والمتوسطة للحصول على التمويل وبدراسة هيكل أسعار الفائدة المقدمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة يتضح تفاوت أسعار الفائدة التى تمنحها البنوك والتي يمنحها الصندوق الاجتماعي للتنمية ، فالفائدة على قروض الصندوق تبلغ فى الغالب 7% للمشروع الجديد ومن 9% إلى 11% للمشروع القائم . وعلى الرغم من أن البنوك تعتبر أفضل الجهات المرشحة لتقديم الخدمات المالية للمشروعات الصغيرة ،إلا أن واقع تجارب العديد من الدول بما فيها مصر تشير الى عدم إقدام البنوك على التوسع فى إقراض المشروعات الصغيرة والمتوسطة لعدد من الأسباب لعل أهمها:-
1- ارتفاع تكلفة إقراض المشروعات الصغيرة:نظرا لعدم تعامل العديد من المشروعات الصغيرة مع الجهاز المصرفى فانه يصبح لزاما عليه أن يقوم بعملية تسويق ايجابية وواسعة النطاق لاستهداف العملاء بدلا من انتظارهم،فضلا عن تكاليف هذه العملية،فتكلفة التقويم والإشراف تكون أكثر ارتفاع عن المعتاد نظرا لأن العديد من المشروعات الصغيرة نادرا ما تحتفظ بالدفاتر والبيانات المالية المطلوبة.علاوة على ذلك،فان القروض التى تطلبها المشروعات الصغيرة تكون صغيرة بالمقارنة بالتكاليف الثابتة للبنك.
2- ارتفاع مخاطر إقراض المشروعات الصغيرة:غالبا ما ينظر للمشروعات الصغيرة على أنها غير جديرة بالثقة الائتمانية.فغالبا ما لا يمتلك أصحابها القدرة على التقدم بدراسات الجدوى وخطط العمل التى يقدمها العملاء الكبار.إضافة الى ذلك،فان المشروعات الصغيرة تفتقر الضمان الذى يكفل استرداد البنوك للقروض.وحتى إن وجد هذا الضمان فى بعض الحالات المحدودة،فان الإجراءات القضائية البطيئة والمكلفة تحول دون إقدام البنوك على إقراض المشروعات الصغيرة،نظرا لارتفاع التكلفة الثابتة لحيازة هذه الضمانات للوفاء بالقروض،وخاصة إذا أخذنا فى الاعتبار ضآلة قيمة تلك الضمانات فى حالة القروض الصغيرة بالنسبة لتكلفة حيازتها.
3- عدم ملائمة المعايير والشروط المتبعة فى إقراض المشروعات الصغيرة:تستخدم العديد من البنوك المصرية عدة أساليب لتقويم مصداقية عملائها،منها فحص السجل الائتماني،وتقويم المشروعات،وتقويم الضمانات.وبصفة عامة،يرتفع مستوى تقويم الضمانات التى تطلبها البنوك للقيام بإقراض عملائها الكبار.علاوة على عدم قيام البنوك بتطوير قدرات التسويق والتقويم والإشراف على إقراض المشروعات الصغيرة والتى لا تتمتع بالثقل المؤسسي للشركات الكبيرة،فان العديد من شروط إقراض المشروعات الصغيرة تتطلب ضرورة اقتراض مبالغ كبيرة نسبيا،كما يتعين عليها إثبات مصداقيتها للاقتراض فى ظل معايير تقويم الائتمان غير المناسبة السائدة،إضافة الى إحجام البنوك عن التعامل فى قروض ترى أنها مرتفعة المخاطر.

ثانيا:رأس المال المخاطر:قامت الدول المتقدمة والعديد من الأسواق الناشئة ،في محاولة منها لتعزيز القدرة التنافسية لمشروعاتها الصغيرة والمتوسطة،بتشجيع رأس المال المخاطر، ويعنى رأس المال المخاطر توفير رأس مال يشارك فى الملكية لتأسيس المنشآت وتطويرها ، ويتم تجميع رأس المال المخاطر عادة من المستثمرين فى شكل صندوق يستخدم لتمويل الاستثمارات فى الأعمال الخاصة من خلال المشاركة فى الملكية(تكون عادة نسبة 20%-40% فى ملكية رأس المال)، ويتم تقديم هذه الخدمة عادة من خلال شركات رأس المال المخاطر،والبنوك،والممولين الأفراد ، ويواجه هذا النشاط تحديا رئيسيا في أن أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمتوسطة فى مصر يمتنعون عن التخلي عن ملكية رأس المال فى مشروعاتهم مقابل زيادة معدلات الاستثمار بها.ولتفعيل هذه الأداة فى مصر يقترح:-
·        إتاحة مزيد من رؤوس الأموال طويلة الأجل لشركات رأس المال المخاطر إنشاء قاعدة بيانات لها.
·   تشجيع تأسيس شركات في مجال رأس المال المخاطر والعمل على اجتذاب مؤسسات ومستثمري رأس المال المخاطر.
·   إيجاد صناديق وبرامج لرأس المال المخاطر تدار بشكل محترف بتمويل من الحكومة والجهات المانحة ومؤسسات التمويل الدولية أو أى منها.
·        تقديم المساعدة الفنية لشركات رأس المال المخاطر لتحسين المهارات الإدارية والفنية والقانونية.

ثالثا:التأجير التمويلى:يعد التأجير التمويلى وسيلة مبتكرة لكى تحصل المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمتوسطة على رأس مال متوسط الأجل.والتأجير التمويلى هو عبارة عن عقد يسمح بموجبه للمشروع الصغير باستخدام أحد الأصول مقابل سداد دفعات دورية للمؤجر،والذى يحتفظ بملكية الأصل.ولأن شركة التأجير التمويلى تحتفظ بملكية الأصل،تعتبر حينئذ دفعات التأجير تكاليف تشغيل أكثر منها رسوم تمويل.وفى نهاية مدة التأجير (3-5 سنوات)،يستطيع صاحب المشروع تملك الأصل مقابل سداد مبلغ معين.وفى شكل آخر من أشكال التأجير (الشراء الايجارى)،يسدد المستأجر دفعة مبدئية مرتفعة(عادة ما تكون حوالى 30% من سعر الشراء) ثم يتم نقل الملكية له تلقائيا عند سداد القسط الأخير،ويسمح التأجير للمشروع الصغير بالاستفادة من التحول التكنولوجى،بالاضافة الى التمويل متوسط الأجل.وبذلك فان التأجير التمويلى يقدم بديلا جذابا فى الاقتصاديات التى تعانى من نقص فى رأس المال،مثل الاقتصاد المصرى.ورغم وجود قانون للتأجير التمويلى ووجود عدد من الشركات العاملة فى هذا المجال فى مصر،إلا أنه مازال محدودا .ويمكن توسيع نطاق هذه الأداة من خلال:-
·        توفير حوافز لشركات التأجير التمويلى التى تستهدف المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
·        توفير حوافز للمشروعات الصغيرة والمتوسطة التى تستأجر معداتها بنظام التأجير التمويلى.
·        تعزيز الوعى لدى المنشآت المصرية الصغيرة بمزايا التأجير التمويلى.
·   توسيع نطاق خدمات شركات التأجير التمويلى القائمة من خلال التعاون مع برامج تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمنظمات الوسيطة التى يمكن أن تسهل انتقاء المنشآت.
·   تمكين منظمات وبرامج ووسطاء تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة من ترويج خدمات التأجير التمويلى لعملائهم.
رابعا:البورصات الخاصة بالمشروعات الصغيرة:قد ترغب الجهات التى توفر رأس المال من خلال المشاركة فى الملكية تصفية استثماراتها كي تعيد استثمارها فى مجموعة جديدة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة القابلة للنمو، وفى هذه المرحلة ،يحتمل أن تصبح المشروعات الصغيرة والمتوسطة السابقة شركات عامة ناضجة عن طريق التخلي عن وضعها كملكية خاصة، ويمكن أن يتم ذلك من خلال طرح أسهمها فى البورصة أو من خلال الطرح المبدئى للأسهم على الجمهور.وقد قامت عديد من الدول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا بتصميم بورصات خاصة للمشروعات الصغيرة تلافيا للمعوقات التى قد تثنى المشروعات الصغيرة والمتوسطة عن القيد فى سوق الأوراق المالية مثل التكاليف العالية للالتزام بمتطلبات التسجيل فى السوق.وتتسم بورصات المشروعات الصغيرة والمتوسطة بنظام لوائح أبسط-يتطلب رفع قدر أقل من التقارير- مما يقلل من تكلفة الالتزام به.وتوفر هذه البورصات ذات التصميم الخاص طريقا للخروج من خلال الطرح المبدئى للأسهم على الجمهور لمستثمري القطاع الخاص.
  خامسا:دراسة تطبيق بعض أساليب التمويل الاسلامى:يعد تحريم الربا هو المبدأ الرئيسى للتمويل الاسلامى،فالإسلام لا يقر بكون الإقراض نشاطا مولدا للدخل ،وقد سمحت الشريعة بالاقتراض فى حالات الضرورة الملحة وليس للعيش فى مستويات أعلى من إمكانيات الفرد أو أن يكون الإقراض وسيلة لتنمية المال بأخذ مقابل نتيجة الإقراض. ويمكن الاستفادة من صيغ التمويل الاسلامى(مرابحات،مضاربات،مشاركات،صكوك..الخ) فى تنمية قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز قدرته التنافسية.لذلك فانه يجب دراسة إمكانية إنشاء شركات متخصصة فى التمويل الاسلامى(إنشاء شركات متخصصة فى كل نوع مع تحديد الفئات المستهدفة) من خلال الأساليب الاسلامية المتعارف عليها، بجانب البنوك الإسلامية القائمة وفروع المعاملات الإسلامية ببعض البنوك وذلك لاستهداف فئات معينة ودمجها فى النشاط الاقتصادى الرسمي مع الاستعانة ببعض تجارب الدول التى نفذت مثل هذه الأساليب. وأيضا دراسة إمكانية التعاون الحكومي مع مؤسسات التمويل الإسلامية الدولية للمساهمة فى إنشاء وإدارة وتمويل مثل هذه الشركات.

Friday, April 5, 2013

مستقبل حقوق الإنسان الاقتصادية فى مصر بعد ثورة يناير2011





مستقبل حقوق الإنسان الاقتصادية فى مصر  بعد ثورة يناير2011
حسين عبد المطلب الأسرج
ابريل 2013
تمثل حقوق الإنسان منظومة متكاملة لا تتجزأ؛ فهي مترابطة ومتشابكة ووثيقة الصلة ببعضها البعض ولا يمكن أن تخضع للانتقاء.ولكي يستطيع المواطنون التمتع بهذه الحقوق وفى مقدمتها الحصول على فرصة العمل المناسبة،فإنه يستلزم تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة،ويستدعى ذلك بالضرورة اتخاذ خطوات محددة لجذب مزيد من الاستثمارات التى يسهم فيها رأس المال الوطني والأجنبي،وفى جميع القطاعات التى تتمتع فيها البلاد بمزايا تنافسية،باعتباره السبيل الرئيسى لزيادة معدلات النمو الاقتصادى ورفع كفاءة المنظومة الاقتصادية وبما له من أثر مباشر على توفير المزيد من فرص العمل والارتقاء بمستوى معيشة المواطن.يعكس مفهوم التنمية فكرة التكامل بين حقوق الإنسان فالتنمية (الشاملة) هي كما قرر إعلان الحق في التنمية الذي  اعتمدته الجمعية العامة بموجب قرارها 41/128 الصادر في 4 ديسمبر 1986عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم، ورأى هذا الإعلان أن جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية متلاحمة ومترابطة، وأن تعزيز التنمية يقتضي إيلاء الاهتمام على قدم المساواة لإعمال وتعزيز وحماية الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.ويلاحظ أن المجتمع المصرى يعانى وبصورة ملحوظة من ضعف حلة حقوق الانسان وبخاصة الاقتصادية منها،حيث تتزايد معدلات البطالة والفقر فى مصر، وهو ما يتطلب ضرورة ضخ استثمارات جديدة لمواجهة حدة هذه المشكلة التي تتراكم يومًا بعد الآخر، مع انعكاساتها السلبية على المجتمع المتمثلة في انتشار الجرائم الاجتماعية، وارتفاع نسبة الإعالة وتأخر سن الزواج، فضلاً عن الآثار الأمنية والنفسية. فنحو نصف من المصريين تقريبا يعيشون على أقل من دولارين يوميا وأن نحو ثلث المصريين يعيشون تحت خط الفقر ،بالاضافة الى تدنى اجمالى الانفاق العام و تدنى مستوى التعليم وافتقار مخرجاته الى المهارات اللازمة لتحقيق تنافسية على المستوى الدولى وحتى الاقليمى.الأمر الذى يؤكد على أن المجتمع المصرى ما زال أمامه العديد من التحديات الرئيسية التي ينبغي مواجهتها بصورة سريعة‏ فى مجال اعمال الحقوق الاقتصادية للمواطنين.
وعادة ما يعرف الباحثون حقوق الإنسان بأنها مجموعة الحقوق التي يتمتع بها الإنسان بوصفه إنسانا. هذا التعريف يجد سنده فيما نصت عليه المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948. بقولها "يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم البعض بروح الإخاء". كما تجد هذه الصفة الإنسانية الشاملة للحقوق سندها أيضا من نص المادة الثانية من الإعلان التي تقرر أن "لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أي نوع ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا وغير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر". هذا الطابع الإنساني الشامل للحقوق يضفي عليها طابعا أخلاقيا ، ويجعلها حقوقا غير قابلة للتنازل عنها، وغير مشروعة الانتهاك لأي سبب من الأسباب. وتصبح هذه الحقوق هي بذاتها مصدر الشرعية ولا تستمد شرعيتها من أي نظام قانوني وضعي. فمصطلح حقوق الإنسان إذن يشير إلى مجموعة الحقوق اللصيقة بالشخصية الإنسانية التي نصت عليها المواثيق الدولية والتي يتمتع بها الإنسان ولا يجوز تجريده منها لأي سبب كان بصرف النظر عن كل مظاهر التمييز مثل الدين واللغة واللون والأصل والعرق والجنس وغير ذلك.

يمكن تصنيف الحقوق إلى ثلاث فئات:

1.
الحقوق المدنية والسياسية (وتسمى أيضاً "الجيل الأول من الحقوق")، وهي مرتبطة بالحريات، وتشمل الحقوق التالية: الحق في الحياة والحرية والأمن؛ وعدم التعرض للتعذيب والتحرر من العبودية؛ المشاركة السياسية وحرية الرأي والتعبير والتفكير والضمير والدين؛ وحرية الاشتراك في الجمعيات والتجمع.
2.
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (وتسمى أيضاً "الجيل الثاني من الحقوق")، وهي مرتبطة بالأمن وتشمل: العمل والتعليم والمستوى اللائق للمعيشة؛ والمأكل والمأوى والرعاية الصحية.
3.
الحقوق البيئية والثقافية والتنموية (وتسمى أيضاً "الجيل الثالث من الحقوق")، وتشمل حق العيش في بيئة نظيفة ومصونة من التدمير؛ والحق في التنمية الثقافية والسياسية والاقتصادية.
وحقوق الإنسان حقوق عالمية مترابطة فيما بينها وغير قابلة للتجزئة أو الانتقاص أو التقسيم وسواء كانت حقوقاً مدنية و سياسية أو اقتصادية واجتماعية فإنها حقوق متساوية ولا تقبل إعطاء أولوية أو أفضلية لإحداها على الآخر بل إنها تترابط بعضها مع بعض بما يجعل ثمة نوعا من التفاعل والتضامن والتضام بينها باعتبار الكرامة الإنسانية هي الجوهر والمبدأ الناظم لكافة الحقوق، وحماية هذه الكرامة هي الهدف النهائي من إقرارها.

هذا وتنقسم حقوق الإنسان التي يسعى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى تعزيزها وحمايتها إلى ثلاث أنواع وهي : الحق في العمل في ظروف عادلة ومرضية،- الحق في الحماية الاجتماعية وفي مستوى معيشي لائق وفي بلوغ أعلى معايير يمكن تحقيقها من الصحة البدنية والعقلية،- الحق في تعليم والتمتع بمزايا الحرية الثقافية والتقديم العلمي .
ويؤكد العهد على ضرورة وضع قوانين تضمن للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن تكون حقيقية بالنسبة للجميع أو أنها ستصبح كذلك، وضرورة وجود ضمانات من الدول تكفل إمكان التمتع بهذه الحقوق دون أي شكل من أشكال التمييز. وتتمثل أهم حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية التي كفلها الدستور المصري الجديد والذي جري عليه الاستفتاء في 15 ديسمبر 2012 ما يلى:-

أ‌- الحق والحرية في العمل:

تكفل المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان الحق في العمل، ومن بينها المادة (23) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكفلت المادة 64 من الدستور المصري الحق في العمل، حيث نصت علي" العمل حق وواجب وشرف لكل مواطن، تكفله الدولة على أساس مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص".ومما لا شك فيه أن تطبيق مصر لما نص عليه الدستور والمواثيق الدولية التي تكفل حق العمل كاف لتحقيق الضمانات الفعلية اللازمة لحماية حقوق العمال من أي انتهاكات.ومن الضروري إحداث توازن بين مصالح أصحاب الأعمال ومصالح العمال دون سيطرة أي منهما على الآخر، مع مراعاة تحقيق تقدم واستقرار اجتماعي واقتصادي ينعكس إيجابيًا على مستويات دخل ومعيشة المواطنين.وهناك ارتباط وثيق بين النمو الاقتصادى وخلق فرص العمل،حيث يمثلان معا حلقة مهمة فى أية استراتيجية تستهدف الحد من مشكلة البطالة المستمرة.

ب -الحقوق التأمينية والتقاعدية:

تعتبر الحقوق التأمينية من أهم الحقوق الاقتصادية الاجتماعية، ويقاس مدى التقدم الاجتماعي بمدى اتساع هذه الحقوق حجما وتغطية. وتلعب صناديق التأمين والضمان الاجتماعي دوراً هاماً في إعمال هذه الحقوق.
وكفلت المادة 66 من الدستور المصري الحق في التأمين الاجتماعى ، حيث نصت علي"تكفل الدولة خدمات التأمين الاجتماعى.ولكل مواطن الحق فى الضمان الاجتماعى؛ إذا لم يكن قاد ا ر على إعالة نفسه أو أسرته، فى حالات العجز عن العمل أو البطالة أو الشيخوخة، وبما يضمن لهم حد الكفاية." ونصت المادة 67 من الدستور المصري على أن" تعمل الدولة على توفير معاش مناسب لصغار الفلاحين والعمال الز ا رعيين والعمالة غير المنتظمة، ولكل من لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعى."
ولا شك في أن الأوضاع التأمينية في مصر ظل يشوبها ثغرات متعددة أهمها عدم وجود نظام تأمين ضد البطالة، وعدم تغطيتها للجمهرة العريضة من العاملين في القطاع غير الرسمي وعائلاتهم، حيث لا يخضعون لأية ترتيبات مؤسسية للحقوق التقاعدية.
ج-الحق في التمتع بالصحة والرعاية الصحية:

كفلت المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية الحق في التمتع بالصحة والرعاية الصحية، وقد حددت منظمة الصحة العالمية تسعة عناصر أساسية ومتكاملة حول الحق في الرعاية الصحية، وهي: أن تكون مباحة، ومتاحة، ومقبولة، وعادلة، وبتكلفة مناسبة، وبنوعية جديدة، ومنسقة من حيث التخصص الطبي.
وفي الدستور المصري نصت المادتان 62 على الحق في الصحة، حيث نصت علي"الرعاية الصحية حق لكل مواطن، تخصص له الدولة نسبة كافية من الناتج القومى.وتلتزم الدولة بتوفير خدمات الرعاية الصحية، والتأمين الصحى وفق نظام عادل عالى الجودة، ويكون ذلك بالمجان لغير القادرين. وتلتزم جميع المنشآت الصحية بتقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل مواطن في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة. وتشرف الدولة على كافة المنشآت الصحية، وتتحقق من جودة خدماتها،وتراقب جميع المواد والمنتجات ووسائل الدعاية المتصلة بالصحة؛ وتصدر التشريعات وتتخذ كافة التدابير التى تحقق هذه الرقابة. "

ويشير الواقع المصري إلى ضرورة الاستثمار وتوفير الموارد المالية وإعادة تخصيصها داخل قطاع الصحة، بما يقضي على عدم التوازن في الإنفاق على متطلبات الرعاية الصحية الأولية والوقائية والعلاجية التي تستأثر بالجانب الأكبر من الإنفاق.

د- الحق في السكن:

تمس مشكلة الإسكان كل أسرة مصرية؛ فالمسكن أحد الاحتياجات الأساسية للإنسان، شأنه في ذلك شأن الغذاء والكساء، وهو أحد الحقوق الأساسية للإنسان، وليس أدل على أهمية المسكن من ارتباطه بالسكينة والأمان والخصوصية، ومن ثم فهو قضية تؤثر على أمن واستقرار ورفاهية وصحة وسلامة الفرد والأسرة والمجتمع. وتعد مشكلة الإسكان من أهم القضايا التي تواجه الدول النامية ومنها مصر، نظرًا لما لها من آثار اجتماعية واقتصادية على الدولة وعلى فئات كثيرة من المواطنين خاصة الشباب ومحدودي الدخل. كما تزداد أهميتها في ضوء ما لها من آثار سياسية مهمة، فهي تؤثر على علاقة المواطن بالدولة، فتوفير المسكن الآمن والملائم للمواطن يمثل له الاستقرار والانتماء للدولة ويعزز ثقته فيها.
وكفلت المادة 68 من الدستور المصري الحق في السكن الملائم ،حيث نصت علي"المسكن الملائم والماء النظيف والغذاء الصحى حقوق مكفولة.وتتبنى الدولة خطة وطنية للإسكان؛ تقوم على العدالة الاجتماعية، وتشجيع المبادارت الذاتية والتعاونيات الإسكانية، وتنظيم استخدام ارضى الدولة لأغراض العمران؛ بما يحقق الصالح العام، ويحافظ على حقوق الأجيال."
ويجدر التنبيه الي أن مشكلة الإسكان في مصر متراكمة ومتعددة الأبعاد، فلا تقتصر على عدم وفرة المعروض من الوحدات السكنية لمقابلة نوعية الطلب عليها، بل تشمل أبعادًا أخرى كالإسكان العشوائي، والوحدات المغلقة واختلال العلاقة بين المالك والمستأجر، وإهمال صيانة الثروة العقارية، وسوء توزيع السكان وارتفاع الكثافة السكانية، وعدم كفاية بعض المرافق فى بعض المناطق والامتداد العمراني على الأراضي الزراعية، وغيرها.

هـ- الحق في التعليم:

يمثل رأس المال البشرى عاملا مهما للنمو الاقتصادى وخلق فرص العمل والمشاركة فى العولمة-سواء كان مقيسا بالعمر المتوقع أو بسنوات الدراسة أو بالخبرة المكتسبة فى سوق العمل أو بمعدلات الإلمام بالقراءة والكتابة أو بمعدلات الالتحاق بالمدارس أو بدرجات الطلاب فى الاختبارات.ومن المعروف منذ وقت طويل أن توافر رأس المال المادى والبشرى وبخاصة العمالة هو عامل مهم فى تحديد موقع النشاط الاقتصادى.ويصدق هذا على وجه الخصوص فى اقتصاد تتزايد فيه العولمة وتكثر فيه تنقلات رؤوس الأموال.ورغم أن رؤوس الأموال الاستثمارية تحتاج الى القوى العاملة الماهرة والمتعلمة كما تحتاج الى القوى العاملة الرخيصة وغير الماهرة،فمن المسلم به عموما أن النمو وبالتأكيد ارتفاع مستوى المعيشة ،يكون استمرارهما أرجح فى وجود قوى عاملة متعلمة تستطيع تطويع مهارتها وتنفيذ الأفكار الجديدة.وتفيد الأبحاث الحديثة بأن الدول التى تبدأ بإنتاجيه منخفضة وبقوى عاملة أكثر تعلما تستطيع تضييق فجوة الدخل الفردى بينها وبين الدول الأكثر ثراء بسرعة من الدول ذات القوى العاملة الأقل تعلما.وقد تبين أيضا أن إسهام الاستثمار الأجنبى المباشر فى النمو يزداد كلما كانت القوى العاملة أكثر تعلما.
ويعتبر التعليم قضية محورية تمس الأمن القومي، وهو الذي يرسم صورة المستقبل لأي دولة باعتباره استثمارا في المستقبل له عائد ومردود أعلى بكثير من أي استثمار آخر.ولأهمية التعليم كفلته المواثيق والعهود الدولية، المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صادقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1948، والمادتان (13، و14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أما في الدستور المصري فكفل حق التعليم وجعله بالمجان في المراحل التعليمية المختلفة فى مادته 58 بنصه على أن " لكل مواطن الحق في التعليم عالي الجودة، وهو مجانى بمراحله المختلفة في كل مؤسسات الدولة التعليمية، والزامي في مرحلة التعليم الأساسي، وتتخذ الدولة كافة التدابير لمد الإلزام إلى مرحل أخرى. "، بل وقد توسع المشرع بتأكيده علي حرية واستقلال البحث العلمى حيث نصت المادة 59 من الدستور المصري علي أن حرية البحث العلمى مكفولة.. والجامعات والمجامع العلمية واللغوية ومراكز البحث العلمى مستقلة، وتخصص لها الدولة نسبة كافية من الناتج القومى."
وهناك عديد من المحاور  لتعظيم تمتع المواطن المصرى بحقوقه الاقتصادية  ويتم هنا الاشارة الى : 

أولا: تحسين مناخ الاستثمار:
ينصرف تعبير مناخ الاستثمار الى مجمل الأوضاع والظروف المكونة للمحيط الذى تتم فيه العملية الاستثمارية،وتأثير تلك الأوضاع والظروف سلبا وايجابا على فرص نجاح المشروعات الاستثمارية،وبالتالى على حركة واتجاهات الاستثمارات،وهى تشمل الأوضاع والظروف السياسة والاقتصادية والاجتماعية والأمنية،كما تشمل الأوضاع القانونية والتنظيمات الادارية.و هذه العناصر عادة ما تكون متداخلة ومترابطة ،بعضها ثابت أو شبه ثابت.إلا أن غالبيتها ذات طبيعة متغيرة،ومن ثم فهى تؤثر وتتأثر ببعضها البعض،مما يخلق بالتفاعل مرة وبالتداعى مرة،أوضاعا جديدة بمعطيات مختلفة تترجم فى محصلتها الى عوامل جذب أو نوازع طرد لرأس المال.من جانب آخر ،يمكن ربط مفهوم مناخ الاستثمار بمجال السياسات الاقتصادية التجميعية وذلك من خلال تعريف البيئة الاقتصادية المستقرة والمحفزة والجاذبة للاستثمار على مستوى الاقتصاد التجميعى،بأنها تلك التى تتسم بعجز طفيف فى الموازنة العامة،وعجز محتمل فى ميزان المدفوعات بحيث يمكن تمويله بواسطة التدفقات العادية للمساعدات الأجنبية أو الاقتراض العادى من أسواق المال العالمية.والتى تتصف أيضا بمعدلات متدنية للتضخم،سعر صرف مستقر،بيئة سياسية ومؤسسية ثابتة وشفافة يمكن التنبؤ بها لأغراض التخطيط المالى والتجارى والاستثمارى بواسطة الأفراد والمؤسسات والهيئات.وللسياسات والسلوكيات الحكومية تأثير قوى على مناخ الاستثمار من خلال تأثيرها على:التكاليف،والمخاطر،والعوائق أمام المنافسة.ولهذا فان تقرير التنمية فى العالم لعام 2005 يؤكد على الدور الهام الذى تلعبه الحكومة فى ايجاد بيئة آمنة ومستقرة،بما فى ذلك حماية حقوق الملكية .فقد أشار التقرير الى أن غموض السياسات وعدم الاستقرار فى الاقتصاد الكلى واللوائح التنظيمية العشوائية تشكل 51% من المخاطر المرتبطة بالسياسات على مخاوف الشركات المتعلقة بمناخ الاستثمار.كما خلص التقرير الى أنه من شأن تحسين وضوح ومعلومية السياسات وحده أن يؤدى الى زيادة الاستثمارات الجديدة بنسبة 30%.
ويساهم تحسين مناخ الاستثمار بدور رئيسي فى تحسين مستوى المعيشة وتمتع المواطنين بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية من خلال دفع عجلة التنمية من ناحية،وتحسين حياة الناس بصورة مباشرة.
1.    دفع عجلة التنمية:
مع تزايد أعداد السكان فان التنمية الاقتصادية هى الطريق لتحسين مستويات المعيشة،ويؤدى مناخ الاستثمار الملائم لدفع عجلة التنمية عن طريق زيادة الاستثمارات وتحسين مستويات الإنتاجية.فمناخ الاستثمار الجيد يخفض التكاليف غير المبررة ويقلل من المخاطر ويقضى على العقبات التى تعوق المنافسة.فقد أكد تقرير التنمية فى العام الصادر عن البنك الدولي لعام 2005 أن إجراءات تحسين مناخ الاستثمار أدت الى تضاعف نسبة استثمار القطاع الخاص الى الناتج المحلى الاجمالى فى الصين والهند.كما أشار التقرير أيضا الى أن زيادة وضوح ومعلومية السياسات يمكن أن ترفع من احتمالية قيام الشركات باستثمارات جديدة بنسبة تزيد على 30%. أيضا يشجع مناخ الاستثمار الجيد على تحسين الإنتاجية،عن طريق إتاحة الفرص والحوافز للشركات لكي تقوم بتطوير أنشطتها والتوسع فيها واستخدام أساليب أفضل لتنظيم عمليات الإنتاج.كما يساعدها على الدخول والخروج من الأسواق بما يساهم فى زيادة الإنتاجية ودفع عجلة التنمية.وقد أشار تقرير التنمية لعام 2005 بأن احتمال قيام الشركات التى تتعرض للمنافسة القوية بالابتكار أكثر بنسبة لا تقل عن 50% من احتمال قيام الشركات التى لم تتعرض لضغوط المنافسة.
2.    تحسين حياة الناس:
يساهم مناخ الاستثمار الجيد فى تحسين حياة الناس فى العديد من أوجه نشاطهم بصورة مباشرة،وذلك كما يلى:-
·        بصفتهم عاملين:من شأن تحسين مناخ الاستثمار إتاحة الفرص أمام الأفراد للحصول على عمل سواء من خلال العمل الحر أو من خلال الحصول على عمل بأجر.فمن شأن تحسين فرص العمل حفز الأفراد على استثمار معارفهم ومهاراتهم،مما يكمل الجهود لتحسين التنمية البشرية.أيضا تستطيع الشركات الأكثر إنتاجية التى تنشأ من خلال مناخ استثمار جيد،أن تدفع أجورا أفضل وأن تخصص مزيدا من الاستثمارات لبرامج التدريب.
·        بصفتهم أصحاب عمل حر: يساعد مناخ الاستثمار الجيد على تشجيع المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر وأصحاب الأعمال الحرة للدخول فى الاقتصاد الرسمى،حيث يعمل أكثر من نصف سكان الدول النامية فى الاقتصاد غير الرسمى.فهذه المشروعات تواجه نفس المشكلات التى تواجهها الشركات الأخرى،بما فى ذلك الفساد،وعدم وضوح السياسات،وحفظ حقوق الملكية،ومحدودية القدرة على الحصول على التمويل والخدمات العامة.ويؤدى تخفيف هذه العوائق الى زيادة دخل أصحاب المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر وأصحاب الأعمال الحرة،وتمكينهم من توسيع أعمالهم.
·        بصفتهم مستهلكين: يساعد مناخ الاستثمار الجيد على إتاحة السلع والخدمات وتنوعها من ناحية وتخفيض أسعارها من ناحية أخرى بما فى ذلك السلع التى يستعملها محدودي الدخل وغير القادرين.
·        بصفتهم مستخدمي للبنية الأساسية والموارد التمويلية والممتلكات: يمكن أن ينتج عن تهيئة البنية الأساسية وتحسين شروط الحصول على الموارد التمويلية،وحماية حقوق الملكية،العديد من المزايا التى تستفيد منها كافة فئات المجتمع.فمثلا ساهم بناء الطرق فى المغرب فى زيادة معدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية من 28% الى 68%.أيضا يؤدى التوسع فى القدرة على الحصول على الموارد المالية الى مساعدة الشركات على تطوير أعمالها.فضلا عن مساعدة محدودي الدخل على لدفع مصاريف تعليم أبنائهم،وتحمل نفقات الطوارىء التى تتعرض لها أسرهم.أيضا يساعد تسهيل تملك الأراضى وتخفيض أسعارها على تشجيع الاستثمار وبناء المصانع وتسهيل الحصول على التمويل اللازم.
·        بصفتهم متلقين لخدمات تمولها الضرائب أو التحويلات: تعتبر أنشطة الشركات المصدر الرئيسى لإيرادات الضرائب بالنسبة للحكومات.لذا يساهم مناخ الاستثمار الجيد فى توسيع المصادر المتاحة لدى الحكومات للعثور على التمويل للخدمات العامة،بما فى ذلك خدمات قطاعي الصحة والتعليم،التحويلات النقدية المخصصة للطبقات الفقيرة والمحتاجة فى المجتمع.تؤدى بعض التحسينات التى تجرى على مناخ الاستثمار إلى العديد من المنافع لكافة قطاعات المجتمع،كتحسين استقرار الاقتصاد الكلى،والتقليل من تفشى الفساد،وبعض الإصلاحات الأخرى فى قطاعات أو أنشطة بعينها،مما يتيح الفرص للحكومات للتأثير فى توزيع هذه المنافع.ويمكن للحكومات أن تضع خطط لهذه الإصلاحات بحيث تزيد التركيز على صالح محدودي الدخل من خلال التركيز على القيود المفروضة على أماكن معيشتهم وعلى الأنشطة التى يستفيدون منها،بما فى ذلك مختلف مجالاتهم كعاملين،وأصحاب أعمال حرة ،ومستهلكين،ومستخدمي للبنية الأساسية والموارد التمويلية والممتلكات.
ولذا فانه من الضرورى التأكيد على أن بيئة الاستثمار النموذجية لا تقتصر على مجرد منح الاعفاءات الضريبية وتسهيل اجراءات التسجيل والترخيص،بل تتعداه لتشمل حزمة متكتملة من العناصر الضرورية التى لابد من توافرها مجتمعة منها:-
1.    استقرار السياسات الاقتصادية الكلية: حيث يعتبر وجود سياسة اقتصادية كلية عامة ثابتة ومستديمة شرطا ضروريا لجذب مزيد من الاستثمارات سواء المحلية أو الأجنبية.
2.    تكامل السياسات الصناعية والنقدية والمالية والتجارية والتشغيلية مع مبدأ تشجيع الاستثمار وتعزيز البيئة الاستثمارية.
3.    وجود منظومة قوانين وأنظمة اقتصادية فعالة وكفؤة مما يتطلب مراجعة القوانين بها وتحديثها لتنسجم مع التوجه العام لتنشيط حركة الاستثمار وسن قوانين جديدة تتلاءم مع المستجدات على الساحتين المحلية والدولية.
4.    تبسيط الاجراءات الادارية فى جميع المؤسسات المرتبطة بالنشاط الاستثمارى وألا يقتصر فقط على فترة الترخيص والتسجيل،بل يتضمن أيضا تشخيص العوائق والمشاكل التى تواجه المستثمر على جميع المستويات وايجاد الحلول لها.
5.    تكثيف الجانب الرقابى لتعزيز الثقة فى البيئة الاستثمارية وبما يكفل الطمأنينة للمستثمر على حقوقه فى المشاريع التى يستثمر فيها،بالاضافة الى ضرورة محاربة الفساد وسوء الادارة.
6.    تقنين وترشيد الحوافز المالية والاعفاءات الممنوحة بحيث تكون أداة لتوجيه وتحفيز الاستثمار فى المشاريع التى تضيف الى الاقتصاد الوطنى بما يتطلب وجود خريطة استثمارية واضحة ومتكاملة مع الخطة التنموية.
ثانيا:العدالة  وتكافؤ الفرص:
تؤكد الدراسات الحديثة على أهمية العدالة وتكافؤ الفرص لدفع عجلة التنمية ورفع مستويات المعيشة،فتقرير "التنمية في العالم" لعام 2006 الصادر عن للبنك الدولي تحت عنوان: "الإنصاف يعزز قوة النمو من أجل تخفيض أعداد الفقراء"،يؤكد على أن العدالةلابد أن تكون جزءاً لا يتجزأ من أية إستراتيجية ناجحة لتخفيض أعداد الفقراء في أي مكان من العالم النامي.
ويمكن القول بأن هذا التحول فى الفكر الرأسمالى قد بدأ فى تسعينيات القرن العشرين،فنظريات التنمية الأولى افترضت أنه على الرغم من أن عدم المساواة غير مرغوب فيه كغاية فى حد ذاته،الا أنه وسيلة لتحقيق النمو فى الأجل الطويل حيث أن الميل الحدى للادخار مرتفع عند الأغنياء فهم عادة ما يدخرون ويستثمرون جزء كبيرا من دخولهم (يزيد الاستهلاك مع زيادة الدخل ولكن بنسبة أقل من زيادة الدخل ).وفى سبعينيات القرن العشرين ظهر اتجاه يدعوا الى وضع استراتيجيات من أجل النمو مع اعادة التوزيع،واتخاذ اجراءات تدخلية قصيرة الأجل (غير ديناميكية) مثل معدلات الضرائب المرتفعة،أو نزع ملكية الأصول لتحقيق عدالة التوزيع وتحقيق المساواة فى الدخل والثروة ،وهو ما يعنى توترا بين النمو والعدالة،بسبب ما يمكن أن تحدثه من ضعف حوافز العمل والاستثمار والابتكار لدى الأفراد والفاعلين فى الاقتصاد،ولذلك تمثل التحدى فى تحقيق معدلات نمو مرتفعة ثم بعد ذلك يتم اعادة التوزيع.
          فالعدالة،ليست غاية بحد ذاتها فحسب، ولكنها وسيلة لزيادة الاستثمارات وجعلها أكثر إنتاجية، الأمر الذي يُفضي إلى تسريع عجلة النمو.فالهُوَّة الشاسعة في عدم المساواة في الثروات والفرص، داخل البلدان وفيما بينها تتسبب في استمرار الفقر المُدقع لشريحة كبيرة من السكان، وهو ما يؤدي إلى هدر الإمكانيات البشرية، ومن شأنه في كثير من الحالات إبطاء وتيرة تحقيق النمو الاقتصادي القابل للاستمرار. ومن شأن السياسات الهادفة الى تحقيق مزيد من العدالة وتكافؤ الفرص أن تسد هذه الهُوَّة.
          ولا شك فى أهمية تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص،فالاقتصاد ينمو ويتطور عندما يكون لدى السواد الأعظم من السكان الأدوات اللازمة للمشاركة فى المنافع الناتجة عن النمو الاقتصادى،ولهذا ينبغى أن تستهدف استراتيجيات التنمية تخفيض حدة عدم المساواة ومن ثم تحقيق المساواة فى الفرص وتحسين كل من الكفاءة والعدالة.وعلى سبيل المثال يؤدى ضمان القدرة على الحصول على الخدمات التعليمية والرعاية الصحية الى تحسن انتاجية الفقراء،مما يعطى دفعة لنوعية حياتهم وأيضا لديناميكية وحيوية المجتمع عموما.كما أن القدرة على الحصول على فرص العمل تؤدى الى تخفيض احتمال لجوء الناس الى الجريمة.وبما أن القوة الاقتصادية غالبا ما تترجم الى قوة سياسية،فانه اذا جرى تنفيذ اجراءات تحقيق المساواة فى الفرص أمام الناس تنفيذا جيدا فانهم يحيون حياة منتجة،مما يؤدى الى الاتفاق فى الرأى والعدالة الاجتماعية والاستقرار السياسى وزيادة الانتاجية.
وتجدر الاشارة هنا الى قضية فى غاية الخطورة وهى ما يسمى " فخ عدم المساواة " وتعنى أن عدم المساواة يستمر بين الأفراد والمجموعات مع مرور الوقت من جيل إلى آخر وداخل كل جيل. وهذا الفخ يتسم بارتفاع في معدلات وفيات الأطفال، وانخفاض في معدلات إتمام الدراسة، والبطالة وانخفاض الدخول، وهو أمر يتكرّر مع مرور الوقت وعبر الأجيال. فالفرص، كبرت أم صغرت، تنتقل من الآباء إلى الأبناء ومن الأمهات إلى البنات. ويؤدي ذلك إلى تقليل الحوافز أمام الاستثمار والابتكار الفردي، فضلاً عن إضعاف عملية التنمية. وحالة عدم المساواة تستمر من خلال تشابك الآليات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية معاً، كما هو الحال بالنسبة للمواقف والممارسات التمييزية المتعلقة بالعرق، والانتماء الاثني، والنوع، والطبقة الاجتماعية.
          ولزيادة العدالة لا بد من وضع سياسات تعمل على تصحيح أشكال استمرار عدم تكافؤ الفرص، وذلك من خلال تحقيق المساواة في الفرص أمام الجميع في المجالين الاقتصادي والسياسي. وسيؤدي الكثير من هذه السياسات إلى زيادة الكفاءة الاقتصادية وتصحيح إخفاقات الأسواق وزيادة المساهمة الاقتصادية للفقراء في مجتمعاتهم، ومن ثم تخفيض حدة فقرهم. وتشمل هذه السياسات ما يلي:
·        الاستثمار في الناس من خلال توسيع نطاق القدرة على الحصول على خدمات جيدة النوعية في مجالي الرعاية الصحية والتعليم، وإتاحة شبكات الأمان للفئات الضعيفة.
·        توسيع نطاق الوصول إلى العدالة، والحصول على الأراضي وخدمات البنية الأساسية الاقتصادية، كالطرق والكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، والاتصالات السلكية واللاسلكية.
·        تشجيع الإنصاف في الأسواق المالية وأسواق العمل وأسواق المنتجات، وذلك لتسهيل قدرة الفقراء في الحصول على الائتمانات وفرص العمل، ولضمان عدم التمييز ضدهم في الأسواق.      
ثالثا: التركيز على المشروعات الصغيرة كركيزة لبرامج التنمية:‏ تشجيع المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر،فهذه المشروعات تتميز بقدرتها العالية على توفير فرص العمل من حيث انخفاض تكلفة فرصة العمل المتولدة فى هذه المشروعات،كما أنها وسيلة جيدة لتحفيز التشغيل الذاتى والعمل الخاص،فضلا عن أنها تحتاج الى تكلفة رأسمالية منخفضة نسبيا لبدء النشاط مما يشجع الكثيرين على بدء النشاط بالاستثمار فيها.من جانب آخر فان هذه المشروعات تتميز بقدرتها على توظيف العمالة نصف الماهرة وغير الماهرة وذلك لانخفاض نسبة المخاطرة من ناحية ،ووجود فرصة أفضل للتدريب أثناء العمل لرفع القدرات والمهارات من ناحية أخرى.ويمكن أن تحسن هذه المشروعات فرص قيام النساء بأعمال لحسابهن الخاص من خلال توفير الائتمان والقروض وتوفير التدريب اللازم لهن.كما أنها تتلاءم مع رغبة كثير من النساء فى عدم العمل فى أماكن بعيدة عن مساكنهم. وقد أثبتت الدراسات أن التمويل الأصغر‏,‏ خاصة القروض متناهية الصغر وزيادة دخل الأسرة يلعب دورا مهما في الالتحاق بالتعليم بجميع مراحله‏،أيضا يساعد الحصول على مزيد من الدخول من خلال هذه المشروعات على تحسين المستوى الصحى وتوفير الحياة الكريمة للعاملين بها.

رابعا:ضرورة ترقية شبكات الأمان الاجتماعي: تعد شبكات الأمان الاجتماعي أدوات أكثر كفاءة لتخفيض أعداد الفقراء والتنمية البشرية. ولكن نظرا للظروف التى مر بها الاقتصاد المصرى ،يلاحظ أن أجزاء شبكة الأمان التي تتسم بالفعالية تفتقر إلى الكفاءة، أما الأجزاء التي تتسم بالكفاءة نسبيًا فإﻧﻬا تفتقر إلى الفعالية. فعلى سبيل المثال، يصل دعم السلع الغذائية والطاقة إلى عددٍ كببر من الأشخاص وهي، في إطار هذا المعنى، تتسم بالفعالية من حيث وصولها أيضًا إلى الفقراء. بيد أن هذا الدعم يفتقر إلى الكفاءة، حيث  أنه ينطوي على تسرب  قدر كبير من الموارد إلى غير الفقراء. فتحويلات المنافع من الدعم المُوَجَّهَ إلى الطاقة، على وجه الخصوص، تميل بشدة لصالح غير الفقراء: إذ تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى93 في المائة من دعم البنرين في مصر تذهب إلى أغنى20 فى المائة من المستهلكين. وفي الوقت ذاته، يتم توجيه التحويلات النقدية،بشكل أفضل نسبيًا، إلى الفقراء والفئات اُلمعرضة للمعاناة، ولكنها تعاني من تدني مستويات تمويلها،مما يجعلها غير مؤّثرة بالمرة في تحسين الأحوال المعيشية للفقراء. وبينما شهدت في السابق بعض التحسّن في مستوى الكفاءة فيما يتعلق بتصميم دعم السلع الغذائية، فقد ضاعت عليها، إلى حد كبير،فرص إحداث تغيير كبير من خلال إصلاح الدعم المُوَجَّهَ إلى الطاقة، الذى ينطوي على عائد أكبر بكثير للمالية العامة.
لهذا فانه من الضرورى أن تكون شبكات الأمان الاجتماعي أدوات أكثر أهمية في إستراتيجيات تخفيض الفقر في المستقبل من خلال التركيز على الأهداف المتعلقة بتحقيق الكفاءة والتأمين. في حين مازالت الإجراءات التي تستهدف زيادة معدلات النمو وتعزيز قدرة الفقراء على الحصول على خدمات الرعاية الصحية والتعليم تشكل الركيزتين الرئيسيتين لإستراتيجية تخفيض الفقر ، فمن الضروري أيضًا إيلاء الاهتمام إلى الركيزة الثالثة، ألا وهي شبكات الأمان الاجتماعي. وينبغي إصلاح هذه الركائز من خلال مراعاة هدفين اثنين: زيادة مستوى الكفاءة بحيث يتم توجيه الموارد المحدودة إلى احتياجات الفقراء واُلمعرضين للمخاطر، وتحسين قدراﺗﻬم على التكيّف مع صدمات الدخل غير المواتية التي قد تحدث فى ظل آليات السوق والتوجه نحو القطاع الخاص، وتحرير التجارة، والاندماج فى السوق العالمية. وسيكون لتحسين مستوى الكفاءة أثر أكبر على تخفيض أعداد الفقراء عند أي مستوى من معدلات نمو الاقتصاد وحجم موارد المالية العامة المخصصة لهذه المهمة؛ كما يمكن أن يتيح ذلك أيضا قدرا من الموارد لا يكفي فقط لمساعدة أولئك الذين يحتاجون مساعدات شبكة الأمان، ولكن أيضًا لزيادة الإنفاق الذي يراعي مصالح الفقراء في مجالات أخرى،كخدمات الرعاية الصحية العامة، وتحسين إمدادات المياه، وتحسين البنية الأساسية في المناطق الريفية.
ورفع كفاءة شبكات الأمان عرضة لقيود تفرضها في الوقت الحالي أوجه النقص في القدرة على الوصول إلى البيانات، ونوعية تلك البيانات، بالإضافة إلى بعض الاعتبارات الفنية.ويمكن جعل شبكات الأمان أكثر كفاءة من خلال إعادة تصميمها لتركيز الجزء الأكبر من الموارد المتاحة على الفقراء واُلمعرضين للمخاطر، وذلك من خلال تحسين استهدافها. ولذلك بُعدان، سياسي وفني. يتصل البُعد السياسي بحقيقة أن اعتماد توجيه الموارد على نحو يراعي مصالح الفقراء كهدف يتعلق بالسياسة المعنية يمكن أن يثير قلاقل ويلقى مقاومة من الفئات الأيسر حالا، وهي أعلى صوتًا وأكثر قوًة من الناحية السياسية، نظرًا لأﻧﻬا في وضعية تؤهلها للتعرض للخسارة بسبب هذا الإجراء. ويتصل البُعد الفني بأمور التصميم والتنفيذ، فضلا عن مدى توافر البيانات الملائمة واستخدامها. حيث يتطلب حُسن الاستهداف توافر بيانات جيدة لتحديد الفقراء وأماكنهم، وإجراء تحليل جيد لتصحيح الصلة بين السياسات والنتائج المتعلقة بتخفيض الفقر، ووضع ترتيبات تنظيمية كافية للتعّلم من الخبرة العملية.
ويمكن أيضًا تدعيم شبكات الأمان من خلال اعتماد تدابير تساعد على توفير التأمين ضد مخاطر فقدان العمل والدخل. فعلى سبيل المثال، يمكن لبرامج التأمين ضد البطالة، المموّلة من الاشتراكات التي تؤديها الشركات والعاملون، المساعدة في تخفيف ما يلاقيه العامل عند الانتقال من وظيفة إلى أخرى ، ولذا ينبغي توخي العناية في جعلها متسقة مع الاستدامة المالية، والعدالة، والحوافز الخاصة بالعاملين، وذلك لتشجيعهم على الخروج من دائرة البطالة. كما يمكن لبرامج العمالة المؤقتة المساعدة في هذا الصدد.، ومن اُلممكن استخدامها لجعل تلك البرامج أكثر فعالية من خلال التركيز على كثافة العمالة في المشروعات، وجعلها أكثر كفاءة من خلال التأكيد على استهدافها للفقراء عن طريق تحديد ملائم للأجور.