Friday, May 17, 2013

ثورات الربيع العربي والرخاء المشترك




ثورات الربيع العربي والرخاء المشترك
حسين عبد المطلب الأسرج، باحث اقتصادي، مصر

لا شك في أن ثورات الربيع العربي فجرتها مشاعر الاستياء والظلم والإذلال من جراء قضايا خطيرة تتعلق بنظام الإدارة العامة والافتقار إلى تكافؤ الفرص في كثير من مجالات الحياة.
تعددت التسميات وتفاوتت حدّتها... ثورات، انتفاضات، احتجاجات. ، لكن المعنى الأكيد أن العرب استهلوا كتابة تاريخ جديد تحت رافعة "ثلاثية" الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وفي الواقع، فقد كان الشأن الاقتصادي والاجتماعي حاضراً بشدة في خلفية مشهد حركات الاحتجاج وحتى في مقدمته، مما يشير صراحة إلى وجود علاقة مباشرة (أو غير مباشرة) بين هذه الحركات وما يؤمل منها من تغيرات اقتصادية واجتماعية، وبين متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وأهدافها بل يمكن القول بأن التنمية ومتطلباتها وأهدافها، كانت هي مَن ألهمت تلك الحركات من المعاناة والضيق والتهميش والإقصاء و تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
وهنا لابد من التأكيد على أن الدول العربية وبالرغم من وجود العديد من السمات المشتركة فيما بينها، وتشابه ظروفها في ملامحها العامة، إلا أن لكل بلد خصوصيته وطابعه المميز والكثير من التفاصيل الصغيرة التي قد لا توجد بنفس القدر أو بنفس الكيفية في بلد آخر.
والمنطقة العربية لا تزال تسجل أحد أعلى معدلات البطالة في العالم. فقد شهدت الدول العربية الأقل نموا زيادة في معدلات البطالة (من 8% إلى 11%). وشهد معدل البطالة ارتفاعاً طفيفاً في دول مجلس التعاون الخليجي وبلدان المشرق (من 4.5% إلى 4.6%)، ومن (9.3% إلى 9.8% )على التوالي. هذا وترتفع معدلات البطالة بشكل خاص بين الشباب في المنطقة العربية (مَن تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً) حيث وصل معدل البطالة لهذه الفئة، وفقاً لتقديرات منظمة العمل الدولية وبيانات الأمم المتحدة، إلى 24 في المائة في الفترة الممتدة بين عامي 2005-2008 (أي ما يزيد عن ضعف المتوسط العالمي الذي يبلغ 11.9 في المائة)، كما يمثل الشباب أكثر من 50 في المائة من إجمالي العاطلين عن العمل العرب. ويكمن أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع معدل بطالة الشباب في إشكالية الانتقال من مرحلة الدراسة إلى العمل، لاسيما بين خريجي الجامعات.
وتعد البطالة سببا رئيسيا لانتشار الفقر في أي مجتمع؛ حيث تُعتبر البطالة وما تعنيه من حرمان القادرين على العمل والراغبين فيه -عند مستويات الأجر السائدة، أيا كانت مستوياتهم التعليمية- من كسب عيشهم بكرامة... تعد من أهم آليات التهميش الاقتصادي والإفِقار؛ لأنها تؤدي إلى دفع هؤلاء العاطلين إلى هوة الفقر واستنزاف المدخرات أو الميراث في حالة وجودهما والتحول في النهاية في كل الأحوال إلى فقراء. كما تحولهم إلى عالة على أسرهم مما يخفض متوسط نصيب الفرد في تلك الأسر من الدخل وينزلق بها إلى منحدر الفقر.
ويمكن القول بأن الدول العربية قد تخلّصت تقريباً من  الفقر الذي تبلغ نسبنه 3.9٪ من فقر الدخل، إذا ما اعتمدنا خط الفقر البالغ 1.25 دولار أمريكي، وهي نسبة تماثل نسبة الفقر السائدة في أمريكا اللاتينية، وهي أكثر ثراء من المنطقة العربية. غير أن هذا المعيار يخفق بشكل واضح في إظهار الحرمان في المنطقتين على حد سواء. ويترجم خط الفقر هذا إلى 3.5 جنيه في مصر وهوما يُمَكِّن بالكاد المواطن المصري العادي من شراء ما يكفي من الطعام المدعّم ليبقى على قيد الحياة، ناهيك عن توفير تكاليف المواصلات العامة التي تصل إلى جنيه واحد لركوب الحافلة ذهابًا وإيابًا داخل القاهرة. ومن الواضح أن أي شخص على هذا المستوى من الدخل لا يمكنه أن يتحمل تكلفة إيجار مأوى ولو في أكثر مناطق المدينة فقرًا وتداعيًا. بيد أنه عندما نأخذ بمعيار أعلى للفقر (2 دولار يوميًّا)، نجد أن معدل الفقر في الدول العربية يرتفع إلى 19٪، أي ما يزيد بمقدار 60٪ عن المعدل السائد في أمريكا اللاتينية. ونتيجة لذلك فإن زيادة قيمة خط الفقر يزيد من معدل الفقر بنسبة أعلى بكثير في الدول العربية منها في أيّ منطقة نامية أخرى .
لهذا فان هناك تساؤلا  جوهريا  مؤداه كيف يمكن تحديد المعايير اللازمة لقياس ما إذا كانت دول الربيع العربي تسير في الطريق إلى نمو "اشتمالي" يشترك الجميع في جني ثماره، طريق "تتوفر له مقومات الاستدامة"  وذلك بعد أن تخلصت من النظام القديم وسياساته وبرامجه التي تشجع على المحسوبية وتنطوي في الغالب على الإسراف وإهدار الموارد.
ولا شك في أن الاجابة على هذا التساؤل سنحتاج  وقتا . لهذا يجب أن نرسم مسارا جديدا للمستقبل يتسم بقدر أكبر من الاستدامة، مسارا يعزز النمو الاقتصادي والإنصاف والاشتمال.
فالرخاء يمكن أن يكون واسع النطاق إذا أدى النمو إلى خلق الوظائف والفرص الاقتصادية لجميع شرائح المجتمع. و الحكومة تلعب دورا مهما من خلال تطبيق سياسات ولوائح تشجع المناخ المواتي للحفاظ على معدلات عالية من الاستثمار، ومن خلال الاستثمار في تنمية المهارات المهنية المطلوبة لبناء قوة عاملة حديثة وديناميكية. و أن يكون هذا النمط من النمو من النوع الذي يجلب للفقراء فرصا للدخل. وان يقوم على الاستثمارات التي تحسن من تكافؤ الفرص وتوفرها لجميع المواطنين.
ولا أجد هنا أبلغ من كلمات نيلسون مانديلا بأن التغلب على الفقر ليس مهمة خيرية.. فالفقر ليس أمراً طبيعياً، لكنه من صنع البشر، ومن المُمكن التغلب عليه واستئصاله عن طريق ما يتخذه البشر من إجراءات.
ونحن في الدول العربية نحتاج لتبنى ركائز الرخاء المشترك  أو النمو الاقتصادي الاشتمالي  ،والذى ينطوي على عنصرين رئيسيين، هما النمو الاقتصادي والمساواة. فبدون نمو اقتصادي مستدام، لا يبدو أن ثمة أملا للفقراء كي يرتقوا بمستوى معيشتهم. لكن النمو ليس كافيا في حد ذاته. فالتحسن في مؤشر الرخاء المشترك يتطلب نموا يشمل أيضا من هم أكثر احتياجا. وهذا يعني قبل كل شيء، الاستثمار في البنية التحتية وفي مهارات قوة العمل المتنامية.
لهذا فانه يجب  تبنى سياسات تهدف الى تحيق النمو الاقتصادي واشتماله او تحقيق الرخاء المشترك من خلال زيادة الرخاء والمساواة. واتخاذ المزيد من الاجراءات الفعالة بصورة اشد تصميما لدفع عملية تخفيض الفقر والقضاء عليه بصورة شاملة . وأن تنجز الحكومة هذه المهمة عن طريق استراتيجيتها الجديدة لتنسيق التنمية الحضرية والريفية وتنسيق التنمية بين المناطق المختلفة وتنسيق التنمية الاجتماعية والنمو الاقتصادى وتنسيق التنمية البشرية مع الطبيعة وتنسيق التنمية المحلية مع جهود الانفتاح .
ولا شك في أن وجود شبكات للأمان الاجتماعي ذات كفاءة يعد من اهم الأدوات الأكثر كفاءة لتخفيض أعداد الفقراء والتنمية البشرية. وحاليا نلاحظ  أن أجزاء شبكة الأمان التي تتسم بالفعالية تفتقر إلى الكفاءة، أما الأجزاء التي تتسم بالكفاءة نسبيًا فإﻧﻬا تفتقر إلى الفعالية. فعلى سبيل المثال، يصل دعم السلع الغذائية والطاقة إلى عددٍ كببر من الأشخاص وهي، في إطار هذا المعنى، تتسم بالفعالية من حيث وصولها أيضًا إلى الفقراء. بيد أن هذا الدعم يفتقر إلى الكفاءة، حيث أنه ينطوي على تسرب قدر كبير من الموارد إلى غير الفقراء. فتحويلات المنافع من الدعم المُوَجَّهَ إلى الطاقة، على وجه الخصوص، تميل بشدة لصالح غير الفقراء: إذ تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 93 في المائة من دعم البنرين في مصر تذهب إلى أغنى 20 فى المائة من المستهلكين. وفي الوقت ذاته، يتم توجيه التحويلات النقدية،بشكل أفضل نسبيًا، إلى الفقراء والفئات اُلمعرضة للمعاناة، ولكنها تعاني من تدني مستويات تمويلها،مما يجعلها غير مؤّثرة بالمرة في تحسين الأحوال المعيشية للفقراء. وبينما شهدت في السابق بعض التحسّن في مستوى الكفاءة فيما يتعلق بتصميم دعم السلع الغذائية، فقد ضاعت عليها، إلى حد كبير،فرص إحداث تغيير كبير من خلال إصلاح الدعم المُوَجَّهَ إلى الطاقة، الذى ينطوي على عائد أكبر بكثير للمالية العامة. لهذا فانه من الضرورى أن تكون شبكات الأمان الاجتماعي أدوات أكثر أهمية في إستراتيجيات تخفيض الفقر في المستقبل من خلال التركيز على الأهداف المتعلقة بتحقيق الكفاءة والتأمين. ورفع كفاءة شبكات الأمان عرضة لقيود تفرضها في الوقت الحالي أوجه النقص في القدرة على الوصول إلى البيانات، ونوعية تلك البيانات، بالإضافة إلى بعض الاعتبارات الفنية.ويمكن جعل شبكات الأمان أكثر كفاءة من خلال إعادة تصميمها لتركيز الجزء الأكبر من الموارد المتاحة على الفقراء واُلمعرضين للمخاطر، وذلك من خلال تحسين استهدافها. ولذلك بُعدان، سياسي وفني. يتصل البُعد السياسي بحقيقة أن اعتماد توجيه الموارد على نحو يراعي مصالح الفقراء كهدف يتعلق بالسياسة المعنية يمكن أن يثير قلاقل ويلقى مقاومة من الفئات الأيسر حالا، وهي أعلى صوتًا وأكثر قوًة من الناحية السياسية، نظرًا لأﻧﻬا في وضعية تؤهلها للتعرض للخسارة بسبب هذا الإجراء. ويتصل البُعد الفني بأمور التصميم والتنفيذ، فضلا عن مدى توافر البيانات الملائمة واستخدامها. حيث يتطلب حُسن الاستهداف توافر بيانات جيدة لتحديد الفقراء وأماكنهم، وإجراء تحليل جيد لتصحيح الصلة بين السياسات والنتائج المتعلقة بتخفيض الفقر، ووضع ترتيبات تنظيمية كافية للتعّلم من الخبرة العملية.
من جهة أخرى فان الدراسات الحديثة تؤكد على أهمية العدالة وتكافؤ الفرص لمواجهة الفقر ولدفع عجلة التنمية ورفع مستويات المعيشة. فالعدالة  لابد أن تكون جزءاً لا يتجزأ من أية إستراتيجية ناجحة لتحقيق النمو الاقتصادي الاشتمالى وتحقيق الرخاء المشترك وبالتالى تخفيض أعداد الفقراء في مصر. ولا شك في أهمية تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص،فالاقتصاد ينمو ويتطور عندما يكون لدى السواد الأعظم من السكان الأدوات اللازمة للمشاركة في المنافع الناتجة عن النمو الاقتصادي،ولهذا ينبغي أن تستهدف استراتيجيات التنمية تخفيض حدة عدم المساواة ومن ثم تحقيق المساواة في الفرص وتحسين كل من الكفاءة والعدالة.وعلى سبيل المثال يؤدى ضمان القدرة على الحصول على الخدمات التعليمية والرعاية الصحية إلى تحسن إنتاجية الفقراء،مما يعطى دفعة لنوعية حياتهم وأيضا لديناميكية وحيوية المجتمع عموما.كما أن القدرة على الحصول على فرص العمل تؤدى إلى تخفيض احتمال لجوء الناس إلى الجريمة.وبما أن القوة الاقتصادية غالبا ما تترجم إلى قوة سياسية،فانه إذا جرى تنفيذ إجراءات تحقيق المساواة في الفرص أمام الناس تنفيذا جيدا فإنهم يحيون حياة منتجة،مما يؤدى إلى الاتفاق في الرأي والعدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي وزيادة الإنتاجية
يُقصد بالعدالة، تكافؤ في الفرص بين الناس.فهناك فرق بين المساواة والعدالة. فالعدالة، لا يقصد بها المساواة ، كالمساواة في الدخول، أو الحالة الصحية، أو أية نتائج أخرى محددة. بل إنه سعي للوصول إلى وضع تتساوى فيه الفرص أمام الجميع، بمعنى عندما تكون فيه الجهود والتفضيلات وروح المبادرة الشخصية ـ وليست الخلفية العائلية أو الطبقة الاجتماعية أو العرق أو النوع ـ هي الفيصل في التمييز بين المنجزات الاقتصادية للناس. فالمقصود هنا ليس المساواة في الأجور، بل زيادة قدرة الفقراء على الحصول على خدمات الرعاية الصحية، والتعليم، وفرص العمل، ورأس المال، وحقوق الملكية الآمنة في الأراضي. ويقتضي تحقيق العدالة، زيادة المساواة في الحصول على الحريات السياسية والنفوذ السياسي. ويعني ذلك أيضاً كسر القوالب النمطية والتمييز، وتحسين القدرة على الوصول إلى أنظمة العدالة والحصول على خدمات البنية الأساسية.
ولزيادة العدالة لا بد من وضع سياسات تعمل على تصحيح أشكال استمرار عدم تكافؤ الفرص، وذلك من خلال تحقيق المساواة في الفرص أمام الجميع في المجالين الاقتصادي والسياسي. وسيؤدي الكثير من هذه السياسات إلى زيادة الكفاءة الاقتصادية وتصحيح إخفاقات الأسواق وزيادة المساهمة الاقتصادية للفقراء في مجتمعاتهم، ومن ثم تخفيض حدة فقرهم. وتشمل هذه السياسات ما يلي:
  • الاستثمار في الناس من خلال توسيع نطاق القدرة على الحصول على خدمات جيدة النوعية في مجالي الرعاية الصحية والتعليم، وإتاحة شبكات الأمان للفئات الضعيفة.
  • توسيع نطاق الوصول إلى العدالة، والحصول على الأراضي وخدمات البنية الأساسية الاقتصادية، كالطرق والكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، والاتصالات السلكية واللاسلكية.
  • تشجيع الإنصاف في الأسواق المالية وأسواق العمل وأسواق المنتجات، وذلك لتسهيل قدرة الفقراء في الحصول على الائتمان وفرص العمل، ولضمان عدم التمييز ضدهم في الأسواق.

Wednesday, May 15, 2013

ثورة 25 يناير و الرخاء المشترك





الرخاء المشترك من أهم أهداف ثورة 25 يناير   
حسين عبد المطلب الأسرج، باحث اقتصادي، مصر

لا شك في أن ثورة 25 يناير عام 2011  فجرتها مشاعر الاستياء والظلم والإذلال من جراء قضايا خطيرة تتعلق بنظام الإدارة العامة والافتقار إلى تكافؤ الفرص في كثير من مجالات الحياة. ويجسد شعار ثورة يناير "عيش ..حرية ..عدالة اجتماعية"  أهم مقومات الدولة‏,‏ العيش هو الاقتصاد‏,‏ والحرية هي السياسة‏,‏ والعدالة الاجتماعية هي القانون‏.‏
ومصر من الدول ذات الكثافة السكانية الهائلة  ، هي ثاني أكبر دولة في أفريقيا بعدد السكان بعد نيجيريا، أكبر دولة في منطقة الشرق الأوسط. ويصل  عدد سكان مصر حاليا  لحوالي 84 مليون نسمه  نسمة .، وما زال الفقر يمثل أهم التحديات التى تواجه التنمية  في جميع  مناطق  الجمهورية، حيث وصلت نسبة الفقراء إلى 25.5% و الفقر المدقع إلى 4.8% من إجمالي سكان مصر. وتكشف تقارير الأجهزة الرسمية حجم المأساة التى تعيشها القرية المصرية التى يسكنها أكثر من 16 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر طبقا لإحصائيات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، والذى أكد أن عدد قرى مصر نحو 4065 قرية، منها 2496 قرية تعيش فى فقر مدقع، منهم 506 قرى تعيش تحت خط الفقر، وأن 46% من المصريين لا يحصلون على الطعام الكافى ويعانون من سوء التغذية، وأن أكثر من مليون أسرة فقيرة تعيش فى الألف قرية الأكثر فقرًا، يبلغ إجمالى عدد سكانها خمسة ملايين نسمة يمثلون 46% من إجمالى سكان هذه القرى.من جهة أخرى تشير التقديرات إلي أن أكثر من 15 مليون مواطن مصري يسكنون المناطق العشوائية وذلك بنسبة 25% من إجمالي سكان الجمهورية في عام 2007، ويبلغ عدد المناطق العشوائية نحو 1171 منتشرة في محافظات مصر، وتعد محافظة القاهرة من أكثر المحافظات التي تنتشر بها العشوائيات و يقطنها حوالي 6.1 مليون فرد بنسبة 41.1% من اجمالي سكان العشوائيات في مصر. كما تؤكد هذه التقارير على حدوث زيادة في معدل البطالة ليصل حاليا  لحوالى 13%  ،اى ما يقرب من إلى أن 3.5 مليون عاطل،  90%منهم يحملون شهادات جامعية وأكاديمية( 53% يحملون شهادات متوسطة وفوق متوسطة، و37% يحملون شهادات جامعية).
لهذا فان هناك تساؤلا  جوهريا  مؤداه كيف يمكن تحديد المعايير اللازمة لقياس ما إذا كانت مصر تسير في الطريق إلى نمو "اشتمالي" يشترك الجميع في جني ثماره، طريق "تتوفر له مقومات الاستدامة"  وذلك بعد أن تخلصت من النظام القديم وسياساته وبرامجه التي تشجع على المحسوبية وتنطوي في الغالب على الإسراف وإهدار الموارد.
ولا شك في أن الاجابة على هذا التساؤل سنحتاج  وقتا . لهذا يجب أن نرسم مسارا جديدا للمستقبل يتسم بقدر أكبر من الاستدامة، مسارا يعزز النمو الاقتصادي والإنصاف والاشتمال.
فالرخاء يمكن أن يكون واسع النطاق إذا أدى النمو إلى خلق الوظائف والفرص الاقتصادية لجميع شرائح المجتمع. و الحكومة تلعب دورا مهما من خلال تطبيق سياسات ولوائح تشجع المناخ المواتي للحفاظ على معدلات عالية من الاستثمار، ومن خلال الاستثمار في تنمية المهارات المهنية المطلوبة لبناء قوة عاملة حديثة وديناميكية. و أن يكون هذا النمط من النمو من النوع الذي يجلب للفقراء فرصا للدخل. وان يقوم على الاستثمارات التي تحسن من تكافؤ الفرص وتوفرها لجميع المواطنين.
ولا أجد هنا أبلغ من كلمات نيلسون مانديلا بأن التغلب على الفقر ليس مهمة خيرية.. فالفقر ليس أمراً طبيعياً، لكنه من صنع البشر، ومن المُمكن التغلب عليه واستئصاله عن طريق ما يتخذه البشر من إجراءات.
ونحن في مصر نحتاج لتبنى ركائز الرخاء المشترك  أو النمو الاقتصادي الاشتمالي  ،والذى ينطوي على عنصرين رئيسيين، هما النمو الاقتصادي والمساواة. فبدون نمو اقتصادي مستدام، لا يبدو أن ثمة أملا للفقراء كي يرتقوا بمستوى معيشتهم. لكن النمو ليس كافيا في حد ذاته. فالتحسن في مؤشر الرخاء المشترك يتطلب نموا يشمل أيضا من هم أكثر احتياجا. وهذايعني قبل كل شيء، الاستثمار في البنية التحتية وفي مهارات قوة العمل المتنامية.
لهذا فانه يجب  تبنى سياسات تهدف الى تحيق النمو الاقتصادي واشتماله او تحقيق الرخاء المشترك من خلال زيادة الرخاء والمساواة. واتخاذ المزيد من الاجراءات الفعالة بصورة اشد تصميما لدفع عملية تخفيض الفقر والقضاء عليه بصورة شاملة . وأن تنجز الحكومة هذه المهمة عن طريق استراتيجيتها الجديدة لتنسيق التنمية الحضرية والريفية وتنسيق التنمية بين المناطق المختلفة وتنسيق التنمية الاجتماعية والنمو الاقتصادى وتنسيق التنمية البشرية مع الطبيعة وتنسيق التنمية المحلية مع جهود الانفتاح .
ولا شك في أن وجود شبكات للأمان الاجتماعي ذات كفاءة يعد من اهم الأدوات الأكثر كفاءة لتخفيض أعداد الفقراء والتنمية البشرية. وحاليا نلاحظ  أن أجزاء شبكة الأمان التي تتسم بالفعالية تفتقر إلى الكفاءة، أما الأجزاء التي تتسم بالكفاءة نسبيًا فإﻧﻬا تفتقر إلى الفعالية. فعلى سبيل المثال، يصل دعم السلع الغذائية والطاقة إلى عددٍ كببر من الأشخاص وهي، في إطار هذا المعنى، تتسم بالفعالية من حيث وصولها أيضًا إلى الفقراء. بيد أن هذا الدعم يفتقر إلى الكفاءة، حيث أنه ينطوي على تسرب قدر كبير من الموارد إلى غير الفقراء. فتحويلات المنافع من الدعم المُوَجَّهَ إلى الطاقة، على وجه الخصوص، تميل بشدة لصالح غير الفقراء: إذ تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 93 في المائة من دعم البنرين في مصر تذهب إلى أغنى 20 فى المائة من المستهلكين. وفي الوقت ذاته، يتم توجيه التحويلات النقدية،بشكل أفضل نسبيًا، إلى الفقراء والفئات اُلمعرضة للمعاناة، ولكنها تعاني من تدني مستويات تمويلها،مما يجعلها غير مؤّثرة بالمرة في تحسين الأحوال المعيشية للفقراء. وبينما شهدت في السابق بعض التحسّن في مستوى الكفاءة فيما يتعلق بتصميم دعم السلع الغذائية، فقد ضاعت عليها، إلى حد كبير،فرص إحداث تغيير كبير من خلال إصلاح الدعم المُوَجَّهَ إلى الطاقة، الذى ينطوي على عائد أكبر بكثير للمالية العامة. لهذا فانه من الضرورى أن تكون شبكات الأمان الاجتماعي أدوات أكثر أهمية في إستراتيجيات تخفيض الفقر في المستقبل من خلال التركيز على الأهداف المتعلقة بتحقيق الكفاءة والتأمين. ورفع كفاءة شبكات الأمان عرضة لقيود تفرضها في الوقت الحالي أوجه النقص في القدرة على الوصول إلى البيانات، ونوعية تلك البيانات، بالإضافة إلى بعض الاعتبارات الفنية.ويمكن جعل شبكات الأمان أكثر كفاءة من خلال إعادة تصميمها لتركيز الجزء الأكبر من الموارد المتاحة على الفقراء واُلمعرضين للمخاطر، وذلك من خلال تحسين استهدافها. ولذلك بُعدان، سياسي وفني. يتصل البُعد السياسي بحقيقة أن اعتماد توجيه الموارد على نحو يراعي مصالح الفقراء كهدف يتعلق بالسياسة المعنية يمكن أن يثير قلاقل ويلقى مقاومة من الفئات الأيسر حالا، وهي أعلى صوتًا وأكثر قوًة من الناحية السياسية، نظرًا لأﻧﻬا في وضعية تؤهلها للتعرض للخسارة بسبب هذا الإجراء. ويتصل البُعد الفني بأمور التصميم والتنفيذ، فضلا عن مدى توافر البيانات الملائمة واستخدامها. حيث يتطلب حُسن الاستهداف توافر بيانات جيدة لتحديد الفقراء وأماكنهم، وإجراء تحليل جيد لتصحيح الصلة بين السياسات والنتائج المتعلقة بتخفيض الفقر، ووضع ترتيبات تنظيمية كافية للتعّلم من الخبرة العملية.
من جهة أخرى فان الدراسات الحديثة تؤكد على أهمية العدالة وتكافؤ الفرص لمواجهة الفقر ولدفع عجلة التنمية ورفع مستويات المعيشة. فالعدالة  لابد أن تكون جزءاً لا يتجزأ من أية إستراتيجية ناجحة لتحقيق النمو الاقتصادي الاشتمالى وتحقيق الرخاء المشترك وبالتالى تخفيض أعداد الفقراء في مصر. ولا شك في أهمية تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص،فالاقتصاد ينمو ويتطور عندما يكون لدى السواد الأعظم من السكان الأدوات اللازمة للمشاركة في المنافع الناتجة عن النمو الاقتصادي،ولهذا ينبغي أن تستهدف استراتيجيات التنمية تخفيض حدة عدم المساواة ومن ثم تحقيق المساواة في الفرص وتحسين كل من الكفاءة والعدالة.وعلى سبيل المثال يؤدى ضمان القدرة على الحصول على الخدمات التعليمية والرعاية الصحية إلى تحسن إنتاجية الفقراء،مما يعطى دفعة لنوعية حياتهم وأيضا لديناميكية وحيوية المجتمع عموما.كما أن القدرة على الحصول على فرص العمل تؤدى إلى تخفيض احتمال لجوء الناس إلى الجريمة.وبما أن القوة الاقتصادية غالبا ما تترجم إلى قوة سياسية،فانه إذا جرى تنفيذ إجراءات تحقيق المساواة في الفرص أمام الناس تنفيذا جيدا فإنهم يحيون حياة منتجة،مما يؤدى إلى الاتفاق في الرأي والعدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي وزيادة الإنتاجية
يُقصد بالعدالة، تكافؤ في الفرص بين الناس.فهناك فرق بين المساواة والعدالة. فالعدالة، لا يقصد بها المساواة ، كالمساواة في الدخول، أو الحالة الصحية، أو أية نتائج أخرى محددة. بل إنه سعي للوصول إلى وضع تتساوى فيه الفرص أمام الجميع، بمعنى عندما تكون فيه الجهود والتفضيلات وروح المبادرة الشخصية ـ وليست الخلفية العائلية أو الطبقة الاجتماعية أو العرق أو النوع ـ هي الفيصل في التمييز بين المنجزات الاقتصادية للناس. فالمقصود هنا ليس المساواة في الأجور، بل زيادة قدرة الفقراء على الحصول على خدمات الرعاية الصحية، والتعليم، وفرص العمل، ورأس المال، وحقوق الملكية الآمنة في الأراضي. ويقتضي تحقيق العدالة، زيادة المساواة في الحصول على الحريات السياسية والنفوذ السياسي. ويعني ذلك أيضاً كسر القوالب النمطية والتمييز، وتحسين القدرة على الوصول إلى أنظمة العدالة والحصول على خدمات البنية الأساسية.
ولزيادة العدالة لا بد من وضع سياسات تعمل على تصحيح أشكال استمرار عدم تكافؤ الفرص، وذلك من خلال تحقيق المساواة في الفرص أمام الجميع في المجالين الاقتصادي والسياسي. وسيؤدي الكثير من هذه السياسات إلى زيادة الكفاءة الاقتصادية وتصحيح إخفاقات الأسواق وزيادة المساهمة الاقتصادية للفقراء في مجتمعاتهم، ومن ثم تخفيض حدة فقرهم. وتشمل هذه السياسات ما يلي:
  • الاستثمار في الناس من خلال توسيع نطاق القدرة على الحصول على خدمات جيدة النوعية في مجالي الرعاية الصحية والتعليم، وإتاحة شبكات الأمان للفئات الضعيفة.
  • توسيع نطاق الوصول إلى العدالة، والحصول على الأراضي وخدمات البنية الأساسية الاقتصادية، كالطرق والكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، والاتصالات السلكية واللاسلكية.
  • تشجيع الإنصاف في الأسواق المالية وأسواق العمل وأسواق المنتجات، وذلك لتسهيل قدرة الفقراء في الحصول على الائتمان وفرص العمل، ولضمان عدم التمييز ضدهم في الأسواق.