لعل ما شهدته وتشهده عديد من الدول العربية من احتجاجات ومظاهرات ضد الغلاء والفقر والبطالة ليس بعيدا عن موضوع التنمية بجوانبها الاقتصادية والاجتماعية، ودرجة شموليتها وحسن توزيعها. فمعظم الدول العربية تعانى من الفقر والبطالة والتراجع العام في مؤشرات التنمية. ولا مبالغة فى القول بأن قضايا بطالة الشباب والتنمية المستدامة تمثل أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في الدول العربية والاسلامية.
والبطالة لغة:(كما في لسان العرب) من بطل يبطل بطلانًا أي ذهب ضياعًا وخسرًا فهو باطل، والتبطل فعل البطالة وهو ِإتباع الّلهو والجهالة.
والبطالة اصطلاحًا: لفظ يشمل كلَّ الأشخاص العاطلين عن العمل رغم استعدادهم له وقيامهم بالبحث عنه بأجر أو لحسابهم الخاص ، وقد بلغوا من السن ما يؤهلهم للكسب والإنتاج.
والبطالة في الفقه الإسلامي: هي العجز عن الكسب، وهذا العجز إما أن يكون ذاتيًا كالصغر والأنوثة والعته والشيخوخة والمرض، أو غير ذاتيٍّ كالاشتغال بتحصيل العلم،وكذا العامل القوي الذي لا يستطيع تدبير أمور معيشته بالوسائل المشروعة المعتادة، أوالغني الذي يملك مالا ولا يستطيع تشغيله.
ويمكن تعريف البطالة بأنها التوقف الإجباري لجزء من القوة العاملة في الاقتصاد عن العمل مع وجود الرغبة والقدرة على العمل. والمقصود بالقوة العاملة هو عدد السكان القادرين والراغبين في العمل مع استبعاد الأطفال (دون الثامنة عشرة) والعجزة وكبار السن.
وفقا للمفهوم العلمي فان البطالة تعنى حالة عدم استخدم المجتمع قوة العمل فيه استخداما كاملاً أو أمثلاًً. ووفقا لذلك يوجد بعدين للبطالة الأول هو عدم الاستخدام الكامل لقوة العمل والثاني عدم الاستخدام الأمثل لقوة العمل وفيما يتعلق بالبعد الأول فهو يشير إلي حالتي البطالة السافرة والبطالة الجزئية والأولى تتمثل في وجود إفراد قادرون على العمل وراغبين فيه ويبحثون عنه ولكن لا يعملون وبالتالي وقت العمل والإنتاج الذي يحققونه يساوي صفر والثانية تتمثل في وجود إفراد يعملون أقل من المعدل الطبيعي المتعارف عليه في المجتمع أو يعملون عدد من الأيام أقل ومن ثم وقت العمل بالنسبة للبطالة الجزئية أقل من الوقت المتعارف عليه في المجتمع ، ويطلق على البطالة السافرة والجزئية البطالة الأفقية ، والبعد الثاني للبطالة والذي يتمثل في الاستخدام غير الكفء للعمالة فهو يشير إلي استخدام الفرد في عمل يحقق فيه إنتاجية أقل من حد ادني معين ويطلق على هذا النوع البطالة الرأسية.
ويشير تقرير منظمة العمل العربية أن المنطقة العربية تعاني من ارتفاع معدلات البطالة،حيث يعتبر المعدل الأعلى مقارنة بالمعدلات السائدة في المناطق الاخرى من العالم إذ يتجاوز 14في المائة وأن المعدلات الأعلى للبطالة كانت بين الشباب، إذ يتجاوز هذا المعدل 25 في المائة .
وتشير التقديراتأيضا الى أن معدل البطالة فيالدول العربية كمجموعةأنه الأعلى بالمقارنةمع أقاليم العالمالأخرى، وذلك نظراًإلى أن النمو المرتفعفي حجم قوةالعمل خلال السنواتالأخيرة لم يقابلهنمو اقتصادي بالوتيرةذاتها، مما أدىإلى عدم مواكبة معدلاتالتوظيف للزيادة الهائلةفي عرض العمل . ونتيجةلاستمرار الضغوط علىأسواق العمل العربيةمن جراء تراكمات الفجوةبين معدلات نموحجم قوة العملمن ناحية ومعدلاتالتوظيف من ناحيةأخرى ، فمنالمقدر أن تحتاج المنطقةإلى توفير أكثرمن 100 مليون وظيفةإضافية بحلولعام 2020 للقضاء علىالبطالة ، ممايعني مضاعفة المستوىالحالي للتشغيل . كماأن دول المنطقةتحتاج سنويا توفيرأكثر من 4 مليونوظيفة إضافية لإبقاء معدلات البطالةعند مستواها الحالي. ويتطلب ذلك تحقيقمعدلات نمو حقيقيةفي الناتج المحليالإجمالي تبلغ في المتوسط بين6 و 7 في المائةسنوياً، وهو مايفوق متوسط معدلاتالنمو المحققة فيالعديد من الدولالعربية خلال العقود الأربعةالماضية.ورغم اختلافتعريف وطرق قياسالبطالة والمشاكل المرتبطةبتباين دقة البياناتبين الدول، فإنالبيانات المتوفرة تظهر ارتفاعمعدلات البطالة فيمعظم الدول العربية،والتي تمثل أكبرتحدٍ تنموي لهذهالدول.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن البطالة في الوطن العربي تحمل خصائص معينة لابد من أخذها في الحسبان حين وضع الحلول المتاحة لها وأهم هذه الخصائص:
1. تدني المستويات التعليمية للعاطلين عن العمل.
2. البطالة ظاهرة شبابية.
3. ضعف الخبرة المهنية المتوفرة لدى العاطلين عن العمل.
4. غياب التدريب المهني الموجه لسوق العمل لغياب التخطيط.
5. الهوة الكبيرة بين التأهيل التعليمي للشباب -إن توفر- وبين متطلبات سوق العمل.
6. نسبة الإناث المرتفعة من البطالة.
وبناء على ذلك لابد أن تتصدر البطالة بخصائصها المذكورة محور اهتمام للحكومات العربية عمومًا فالبطالة تعتبر ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية متشعبة .ومواجهة مشكلة البطالة في اﻟﻤﺠتمع الإسلامي هو عمل مشترك واجب على الفرد والجماعة وأولياء أمر المسلمين.فالفرد يجب عليه أن يكون متعلمًا متفقهًا مكتسبًا قادرًا إضافة لسعيه باحثًا عن الفرص التي تناسبه. وعلى الجماعة أن تتكفل أو ً لا بالمساعدة وتأمين الفرص المناسبة لتشغيل الأفراد ثم يدفع القادرون منهم الصدقات لمستحقيها من الفقراء والمساكين دون تفضل أو منة لأنها حق مفروض عليهم.إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين. أما أولو الأمر فعليهم توفير العمل لكلِّ قادر بتقديم المستلزمات الضرورية إن عجز عنها، وإدارة شؤون غير القادرين منهم بالإشراف أو بتأمين التمويل الحلال اللازم إن لزم الأمر، ثم تقديم النصح والمشورة، والإرشاد إلى مكامن الحلول، ومتابعة العمل حتى يتمكنوا من القيام بالعمل بأنفسهم.
والوقفيعد أحد مظاهر التأمين الاجتماعي في الاقتصاد الإسلامي، حيث يساهم في توفيرصيغة فاعلة وصورة ناجحة للذين يرغبون في تأمين معيشة كريمة لهم، والوقف من خلال استخداماته المباشرة( من خلال ما تستخدمه المؤسسات الوقفية من اليد العاملة في مختلف الميادين: أعمال الإشراف والرقابة والإدارة، فضلا عن الخدمات الإنتاجية والتوزيعية، بما يسهم في تشكيل طلب كبير على الأيدي العاملة بالمجتمع)،وغيرالمباشرة( حيث يسهم الوقف في تحسين نوعية قوة العمل في المجتمع لما يوفره من فرص تعلم المهن والمهارات، مما يرفع من الكفاءة المهنية والقدرات الإنتاجية للأيدي العاملة)،يعملعلى إيجاد حركة استثمارية شاملة، عن طريق إنشاء المشاريع العديدة بالصيغ المختلفة التي تخدم أغراض الوقف ،والتي تعد إضافة مستمرة إلى الطاقة الإنتاجية القائمة.
فالوقفيؤمن وظائف للعديد من الأفراد، ويؤمن بالتالي حاجات العديد من العائلات فتعدد الوظائف في الوقفيات وإداراتها. فالمسجد مثلا يحتاج إلى قراء ومؤذن وخادم للمسجد وعامل نظافة وخطيب وإمام، ومدرس، والأمر يكبر بالنسبة للمؤسسات التعليمية أو الصحية،فيؤمن بالتالي رزقا حلالا للباحثين عنه. يضافإلى ذلك، إن الوقف يفتح الباب أمام ظهور جماعة من المتخصصين في الأعمال، فمن المبادئ الاقتصادية والمشهورة أن التخصص يرفع الإنتاجية ويزيد الابتكار، وبقدر ما نجد أوقافا مخصصة للإطعام، وأخرى للإيواء، وثالثة للتعليم، ورابعة للعلاج الطبي وهكذا، بقدر ما نجد أناسا متخصصين في توفير الغذاء وآخرين في توفير الإسكان وغيرهم في تقديم الخدمات الطبية.
كمايمثل الوقف نوعا من التمويل الذي جاء به النظام الاقتصادي الإسلامي يمكن الاستفادة منه في تحريك المالوتداوله، وذلك لأن الأموال المدخرة عند الأغنياء إذا أوقفوها بحيث تستغل استغلالا تجاريا يدر ربحا على الموقوفعليهم ، فإننا بذلك الاستغلال التجاري وجهنا جزءا من المال إلى السوق التجارية، الأمر الذي يؤدي إلى زيادةفي الطلب، وهذا ما يترتب عنه زيادة في الإنتاج لتلبية رغبات الطالبين، وبالتالي ينشأ لدينا سوق عمل تساهم في إشباعهذه الاحتياجات ،مما يترتب عن ذلك تشغيل أيد عاملة كانت في السابق تعاني البطالة وقلة العمل ،وهذه الأيدي العاملة يتحرك في يدها المال، ويصبح لديها احتياجات، فيزيد الطلب على السلع في الأسواق بسبب توفير السيولةالنقدية ، وهكذا نلاحظ أن العملية أصبحت متوالية ونشطة.
وبذلكيكون النظام الاقتصادي الإسلامي في تشريعه للوقف قد حقق عنصر التوازن من خلال المزيد من الاستثماراتالإنتاجية التي تهدف إلى التوزيع العادل للثورة، بإيجاد مصارف متعددة لتقليب وتدوير المال في الأيدي،بما يضمن توفير فرص أكثر للتشغيل، وتلبية أفضل لاحتياجات المجتمع ورغباته. لهذا فانه من الضروري الاهتمام بالوقف الإسلامي على المستويين الأهلي و الرسمي، من خلال العمل على بعث و تفعيل دوره من جديد في الحياة الإسلامية المعاصرة، باعتباره عبادة مالية لها دورها المهم و البارز من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية في الدول الإسلامية.
المراجع:
1- حسين عبد المطلب الأسرج ،المشروعات الصغيرة والمتوسطة ودورها في التشغيل في الدول العربية، مجلة الباحث،العدد 8، دورية أكاديمية محكمة، سنوية، تصدر عن كلية الحقوق والعـلوم الاقتصادية،جامعة قاصدي مرباح ورقـلة،الجزائر،2010.
2- سامر مظهر قنطقجي ،مشكلة البطالة وعلاجها في الإسلام، بيروت، لبنان ،مؤسسة الرسالة، 2005
3- سليم هاني منصور، الوقف ودوره في التنمية الاجتماعية،بحث مقدم للمؤتمر الثاني للأوقاف بالمملكة العربية السعودية
4- منظمة العمل العربية،موجز التقرير العربي الاول لمنظمة العمل العربية،حول التشغيل والبطالة في الدول العربية:نحو سياسات وآليات فاعلة،القاهرة،2008.
5- منظمــة العمــل العربيــة، تقرير المدير العام حول التشغيل والبطالة ،مؤتمر العمل العربى،الدورة الخامسة والثلاثون،شرم الشيخ ، مصر ،23 فبراير – 1 مارس / آذار 2008.
No comments:
Post a Comment