Sunday, May 5, 2013

تحديات التنمية في الدول العربية

عرض
تقرير تحديات التنمية في الدول العربية  2011:نحو دولة تنموية في المنطقة العربية
-التقرير: تحديات التنمية في الدول العربية 2011
-المؤلفون: مجموعة من الخبراء
-عدد الصفحات: 153
-الناشر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
-الطبعة: الأولى/ فبراير 2012
إعداد:حسين عبد المطلب الأسرج،ماجستير الاقتصاد،دبلوم معهد التخطيط القومى،باحث اقتصادى أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية.E.mail: elasrag@gmail.com
انطلق من القاهرة التقرير الثاني حول تحديات التنمية في الدول العربية ، تحت عنوان تحديات التنمية في الدول العربية  2011:نحو دولة تنموية في المنطقة العربية .ويستجيب هذا التقرير  لتوصية القمة العربية الاقتصادية الاجتماعية التي عقدت بالكويت في عام 2009 والتي دعت إلي إصدار تقارير منتظمة تتعلق بتحديات التنمية التي تواجه المنطقة. وفي ضوء ذلك، يطرح هذا التقرير بعض البدائل التي يمكن للمنطقة العربية التي استيقظت من سُباتها استكشافها من أجل تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وبيئية مستدامة. يخالف هذا التقرير كسابقه، العقائد والمسلمات السائدة إذ يكشف عن الأمل في إمكانية التوصل إلي نتائج تنموية مختلفة. كما أنه يقدم سبلا لتوجيه إمكانيات الشباب وطاقاتهم إلي أنشطة منتجة، ومن ثم تعزيز الديموقراطيات الناشئة من خلال توفير القاعدة الإنتاجية المطلوبة والقادرة على الصمود أمام تقلبات السوق العالمية المضطربة. ويأخذ هذا التقرير بعين الاعتبار التغير الراديكالي في السياق السياسي العربي من خلال معالجته للتحديات الرئيسة المتشابكة للتنمية في المنطقة العربية التي تقف وراء قوة الدفع المتزايدة من أجل تغيير تحول إيجابي.
وجدير بالذكر أن تقرير تحديات التنمية في المنطقة العربية الأوّل صدر عام 2009 فقد تم تقسيمه إلى جزئين: تناول الأول منهما وهو الأكثر شمولا مجموعة واسعة من تحديات التنمية الاجتماعية والاقتصادية من منظور التنمية البشرية، في حين ركز الجزء الثاني على تحدي الأمن الغذائي بالذات.وقد وأبرز التقرير ستة تحديات رئيسية ومتشابكة تواجهها دول المنطقة، وتشمل: إصلاح المؤسسات، وتوفير فرص العمل، وتعزيز وتمويل عمليات النمو لصالح الفقراء، وإصلاح نظم التعليم، وتنويع مصادر النمو الاقتصادي، وزيادة الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي في ظل القيود البيئية القائمة. ويشدد التقرير على أن التعامل مع هذه التحديات يحتاج إلى نموذج شامل يعتمد نهج التنمية البشرية القائم على الحريات كأساس لتحقيق التنمية.
 يأتي التقرير الثاني لتحديات التنمية في الدول العربية في وقت تمر فيه المنطقة بمنعطف تاريخي حاسم، كمحاولة للنظر فيما وراء الأرقام، لكشف النقاب عن العمليات التي تضافرت معاً لتعزز عوامل الاستبعاد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي .ويهدف إلى المساهمة في الحوار السياسي الراهن حول الاتجاه المستقبلي لمسارات التنمية، لاسيما في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية. وينادي كاتبوا التقرير بتبني نموذج جديد للتنمية العربية لا يتم التعامل وفقاً له مع قضية الاستقرار من منظور أمني محض، أولاً وقبل كل شيء، لا ينظر فيه إلى التقدم من منظور منفعة السلع والخدمات (مثل نمو نصيب الفرد من الدخل)، بل من خلال القدرات الجوهرية التي يتسنى من خلالها للفرد أن يختار حياة يعتبرها ذات قيمة. إن الدولة التنموية قادرة على تحويل الإمكانيات الهائلة والموارد الطبيعية في المنطقة إلى قاعدة يتأسس عليها النمو الاستيعابي الذي يحترم حقوق الإنسان، ويحد من الفقر، ويخلق فرصاً للعمل اللائق، وينظر إلى الإنفاق الاجتماعي على أنه استثمار حقيقي في المستقبل.
ويرمى التقرير الثاني حول تحديات التنمية في الدول العربية إلى تحليل الحقائق للإجابة علي مجموعات الأسئلة الخمس التالية:
1-    ما حالة التنمية البشرية والتقدم نحو الحد من الفقر المادي والحرمان البشري بالمقارنة مع الأقاليم النامية الأخرى؟
2-    ما الملامح الرئيسية للنمو الاقتصادي العربي علي المدى الطويل، وما دوافعه الرئيسية؟ وهل شهدت المنطقة لأي تحول هيكلي إيجابي؟ ما هي الملامح الرئيسية لسوق العمل العربية؟ ؟ ما حجم تحدي العمالة؟ هل يتوفر الحيز المالي لمعالجة العجز الاقتصادي الهيكلي العربي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن خلال أي قنوات؟
3-    ما خصائص تحدي الأمن الغذائي في الدول العربية؟ وما أكثر الآثار المترتبة علي تغير المناخ ترجيحاً؟ هل يمكن أن تكون السياسات "الخضراء" حلاً للتنمية العربية؟
4-    كيف تعوّق نظم الحوكمة والهياكل المؤسسية العربية التنمية البشرية والاقتصادية؟ وكيف يمكن جعل نظم الحوكمة دافعة للتنمية بقدر أكبر؟
5-    ما الملامح الرئيسية لعقد اجتماعي عربي جديد ولنموذج جديد للتنمية؟ وما هي أهم القضايا الملحة للرد عليها الآن؟
وتمت الإجابة عن هذه الأسئلة استنادا  إلى التحليلات الواردة في التقرير الأول لتحديات التنمية في الدول العربية ،في إطار يأخذ بعين الاعتبار حركة التحدي الجماهيري التي انتشرت في جميع أنحاء المنطقة العربية، من أجل استعادة الكرامة الإنسانية والوطنية، والعدالة الاجتماعية، والحرية. ومن وجهة نظر معدى التقرير فان الفشل الكبير في التنمية كان وراء تصاعد موجة المظاهرات الشعبية المطالبة بالتغيير الديمقراطي في المنطقة العربية ويتجسد ذلك على نحو خاص في الاختلالات في مجالات الحوكمة،والحريات، والعدالة الاجتماعية، ولاسيما في علاقتها بسياسات الاقتصاد الكلي )من خلال تأثيرها علي النمو، وعدم المساواة والفقر والبطالة(والبيئة وهي اختلالات تمثل في جوهرها، الفشل في تعزيز وحماية الكرامة الإنسانية والوطنية.
ويلاحظ التقرير أن القضايا الاقتصادية، التي لعات دوراً محوريا في الانتفاضات العربية ، تتوارى خلف القضايا السياسية في خطاب ما بعد الثورة الدائر بين الدولة والمجتمع المدني والمجتمع الدولي. ويحذر التقرير من أنه ما لم يتم التصدي بشكل ملائم للتحديات الاقتصادية ،وخاصة قضية العدالة الاجتماعية ،فإن التقدم العربي نحو التحول الديمقراطي سيواجه خطر الإحباط.
ويذهب التقرير أيضاً إلى المطالبة بإعادة تعريف دور الدولة في المنطقة وعلاقتها بالسوق حيث عبر الشارع العربي بوضوح عن كونه  لم يعد مستعد اً للقبول بخدمات عامة دون المستوى المطلوب، أوالقبول بقطاع خاص يتألف من رجال أعمال ذوي علاقات سياسية قوية يجنون أرباحاً طائلة لأنهم يتمتعون بمثل هذه الصلات السياسية القوية ؛ التي تسمح لهم بتفادي الضرائب والحصول على أسعار غير تنافسية. وعوضاً عن التسليم بتعارض ثنائية الدولة والسوق، يؤكد التقرير على العلاقة التكاملية بين الإثنين: فالدولة تقدم الدعم المطلوب لقطاع خاص مزدهر واستيعابي يمارس بدوره المسؤولية الاجتماعية من خلال سداده للضرائب وتوفير ظروف عمل لائقة للقوى العاملة. وفي حين يمكن للدولة القادرة والخاضعة للمساءلة أن تغير الكثير عن طريق الاستخدام الأكثر حكمة للموارد الوطنية،فقد بات جلياً أن التعاون الاقتصادي الإقليمي أمر هام بالنسبة للدول العربية حيث يسمح لها بإنجاز قطيعة مع أنماط التنمية الراهنة غير المتوازنة التي تهيمن عليها في الأغلب الصناعات الاستخراجية.
ومن وجهة نظر معدى التقرير فان عملية التحول في الدول العربية تتوقف على إنهاء الاقتصاد السياسي للاستبعاد ونموذج الاستقرار القائم على الأمن والقمع. وثمة خمسة عناصر متداخلة للعجز في مجال الحوكمة تعطي بعض الدروس بشأن ما يجب فعله وما يجب تجنبه لضمان التحول الناجح، وهي:-
1-     يجب على الدولة أن تهدف إلى إصلاح حقيقي، لا لكي تستخدمه كمجرد واجهة لبناء أساس للفعالية والشرعية والاستقرار؛
2-     هناك حاجة لقاعدة جماهيرية قوية لتحقيق العدالة الاجتماعية والحوكمة القابلة للمساءلة؛
3-     مكافحة الفساد، الذي يعتبر عرضاً من أعراض فشل الحوكمة، وحافزا للغضب الشعبي؛ وهو ما يتطلب تضافر جهود المؤسسات القضائية، والإدارية والسياسية والاجتماعية؛
4-     يجب تقوية العملية الديمقراطية الجديدة بموجب حرية المعلومات )وخاصة الانفتاح الخاص بالميزانية( والضمانات التي يراقب ويشرف من خلالها المدنيون على الخدمات الأمنية والشرطة واستقلال القضاء؛
5-     يجب أن تبدأ جهود التحول بإصلاح الحكم المحلي من أجل ضمان التنمية العادلة والمساءلة واستجابة السلطة للمطالب الشعبية .
ويذهب التقرير إلى ما وراء الأرقام ليتفحص العلاقة المتبادلة بين العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تكمن وراء خيارات السياسات وما يترتب عليها من نتائج التنمية للمواطن العادي. ويلاحظ التقرير أن مسار التنمية الذي انتهجته المنطقة العربية لم ينجح في تحويل ثروتها الطبيعية إلى مكاسب مستدامة لتحسين مستوى رفاهية الإنسان العربي. ويعزو التقرير هذا الأداء الضعيف إلى التأثير المفسد للسلوك الريعي على اختيار مسارات التنمية وعلاقات الحوكمة. فلقد أضعفت سياسات الولاء للدولة التي مورست في المنطقة على مدى عقود آليات المساءلة المتبادلة  التي تحكم العلاقات الحرجة بين الدولة والمواطن، كما أفقدت آليات المحاسبة والضبط اللازمة لتنظيم العلاقة بين دوائر الاقتصاد والسياسة قوتها.

ويرصد التقرير تحديات التنمية في المنطقة العربية من خلال مجموعة من المؤشرات، منها:
أولا: انخفاض مؤشرات التنمية البشرية :تظهر البيانات في هذا الشأن أن الفترة من 1970 – 1990 أدت فيها المنطقة بشكل حقق تقدما ملحوظا في تحسن مؤشرات التنمية البشرية، ولكن منذ عام 1990 – 2007، تراجعت المنطقة العربية مقارنة بغيرها من المناطق النامية على مؤشرات التنمية البشرية، ويتجلى هذا من خلال فشل التنمية الريفية في العالم العربي، الذي يعيش 50 بالمائة من سكانه بالريف، ومع ذلك لا تساهم الزراعة إلا بنسبة 15 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، وهو ما أدى إلى زيادة الهجرة من الريف للحضر من أجل الحصول على خدمات أكبر، ولأن هذه الهجرة غير مخططة فإنها أدت إلى وجود العشوائيات وزيادة الأحمال على المرافق الأساسية بالمدن العربية.
وذهب التقرير إلى أن اعتبار مقياس الفقر العالمي بحجم إنفاق 1.25 دولار في اليوم مضلل ولا يعبر عن حقيقة الفقر في المنطقة العربية، ولذلك يقترح التقرير وجود آلية بديلة لقياس الفقر تظهر تباين خطوط الفقر وفقًا لمستويات الدخل في كل بلد.
ثانيا: نمو بلا عمل لائق :اعتمدت المنطقة على النفط في أدائها التنموي، وهو ما جعل مشروعها التنموي عرضة لتذبذبات سوق النفط، فضلا عن الطبيعة الريعية التي اتسم بها الأداء التنموي في الدول العربية، سواء في الدول الخليجية أو الدول متنوعة الدخل أو الأقل نموا.ويرصد التقرير انخفاض معدلات البطالة بالمنطقة العربية في عام 2010 لمعدل 9.3 بالمائة مقارنة بـ12 بالمائة في عام 1990. ولكن لا يزال معدل البطالة بالدول العربية أعلى من المناطق النامية الأخرى، وبخاصة بين الشباب والمرأة. كما يرجع التحسن في معدلات البطالة في دول المنطقة لقبول القوى العاملة لفرص عمل بأعداد كبيرة بالقطاع غير المنظم، والذي يتسم بظروف عمل غير لائقة.
ويرصد التقرير التحدي الأكبر في مجال العمل، وهو مطالبة الدول العربية في عام 2030 –بدون الدول الخليجية– بتوفير 92 مليون فرصة عمل، بتكلفة قدرها 4.4 تريليونات دولار، أي إنها تحتاج إلى حجم استثمارات سنوي يقدر بنحو 220 مليار دولار، وهو ما يعادل نسبة 50% من ناتجها المحلي.
ثالثا قيمة مضافة ضعيفة :ارتفع حجم التبادل التجاري للدول العربية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 84 بالمائة في المتوسط خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، بعد أن كان 60 بالمائة في أوائل ثمانينيات القرن الماضي. ولكن التقرير يذهب إلى أن هذا الارتفاع لم يكن ذا دلالة إيجابية على الاندماج في الاقتصاد العالمي، حيث يصف التقرير هيكل الصادرات العربية بأنه بدائي، فالنفط يمثل نسبة 70 بالمائة من هيكل الصادرات.
ومن ناحية أخرى فإن المنطقة العربية تعد الأقل تصنيعا مقارنة بباقي مناطق العالم حيث يساهم قطاع الصناعة بنسبة 12 بالمائة في الناتج المحلي، ويأتي قطاع الخدمات ليكرس القيمة المضافة الضعيفة حيث يشمل خدمات النقل والسفر، ولا يوجد له أثر ملموس في خدمات الاتصالات والمال.
رابعا:الفقر المائي :تقع معظم الدول العربية -باستثناء العراق والسودان ولبنان- تحت خط الفقر المائي العالمي، والمقدر بنحو ألف متر مكعب سنويا، وتعتبر اليمن من أفقر الدول العربية في هذا المجال حيث يقدر نصيب الفرد بنحو مائة متر مكعب سنويا. ويرصد التقرير حجم الأضرار التي ستتعرض لها دول المنطقة بسبب التغيرات المناخية، من خلال تراجع معدلات إنتاج الغذاء، الذي تعتمد دول المنطقة على استيراد الجزء الأكبر منه. كما يشير التقرير إلى محدودية الاستثمارات بدول المنطقة العربية في مجال إدارة الموارد المائية وتطوير الري والإنتاجية الزراعية.
خامسا: الاستبعاد المجتمعي :أدت السياسات التنموية المتبعة قبل الربيع العربي إلى استبعاد شرائح كبير من المجتمعات العربية من المشاركة، وبخاصة من الشباب والنساء. ويُرجع التقرير عملية الاستبعاد إلى مجموعة من العوامل، منها: العوائد الريعية التي مكنت الدولة من صياغة عقد اجتماعي قائم على توفير الدولة للخدمات والوظائف نظير عدم المشاركة والمساءلة، ولكن هذا العقد انهار مع بداية الثمانينيات من العقد الماضي، حيث عجزت الدول العربية عن توفير الوظائف ومتطلبات دولة الرفاه، ودون أن تعمل الدول العربية على تدارك أخطار سياساتها التنموية القائمة على الاستبعاد، وكذلك تزاوج المال والسلطة وانتشار معدلات الفساد، مما أدى إلى تعميق عملية الاستبعاد في المجتمعات العربية.
ومن وجهة نظر معدى التقرير فان تحديات التنمية الرئيسية التي تتطلب اهتماماً عربيا عاجلا تتمثل فيما يلى:-
أولا: عمليات الإقصاء التي طالما أعاقت جهود التنمية العربية: ويحدد التقرير عددا من عمليات الإقصاء التي أدت بالمنطقة العربية إلى انتهاج طريق التنمية غير المتكافئة، ويأتي على رأسها:
1-    الخدمات العامة المتعثرة، وغير الخاضعة للمساءلة؛
2-    السيطرة على الأسواق من قبل شركات يمتلكها ذوو الحظوة السياسية؛
3-    تركز الأصول بشكل متزايد بما فيها الأراضي الزراعية الخصبة في أيدي النخب، بما يقوض الحقوق الجماعية التقليدية للاستفادة منها؛
4-    إهمال الأقاليم الفرعية الداخلية(البعيدة عن المدن الرئيسية)؛
5-    استبعاد مجموعات معينة من السكان من المكاسب الاجتماعية والاقتصادية؛ فضلاً عن
6-    انعدام إمكانية نفاذ الفقراء إلى الفرص الاقتصادية المتاحة.
ويكمن وراء كل تلك العمليات المذكورة استبعاد المواطنين العاديين من العمليات السياسية وحرمانهم من الوسائل الضرورية لمساءلة الدولة عن أدائها. وتتضافر كل هذه العمليات الإقصائية في المنطقة العربية لتشكل الأسباب الجذرية لاستمرار تحديات التنمية الرئيسية العصية على الحل.
ثانيا: علاقات الحوكمة القائمة على العلاقات الريعية، وتزاوج السلطة والثروة بشكل يجعلهما غير خاضعين للمساءلة: تحتفظ الدولة في معظم الدول العربية بالسيطرة على الأصول المادية التي يمكن من خلالها تحصيل ريع اقتصادي أو جني ريع سياسي. وقد أزاح تراكم الموارد المالية التي تتدفق من تلك الأصول عن كاهل الدولة ضرورة الاعتماد على الضرائب لتلبية متطلباتها المالية. ونتيجة لذلك، فقد ساد عقد اجتماعي يتسم بالافتقار الواضح للمساءلة المتبادلة بين الدولة والمواطنين. علاوة على ذلك، اعتمدت معظم الدول العربية المنظور الأمني في تحقيقها للاستقرار. وأدى ذلك كله إلى وضع أصاحت الدولة بمقتضاه خارج نطاق المساءلة العامة عن أفعالها، مما مهد الطريق لتركز السلطة والثروة في أيد شاكة متداخلة من النخب السياسية والاقتصادية.
ثالثا: فشل النمو في الحد من الفقر أو خلق فرص عمل لائقة: وعلى الرغم من تحقيق معدلات معقولة من النمو الاقتصادي خلال السنوات ال 40 الماضية، إلا أن اعتماد هذا النمو على الصناعات الاستخراجية أدى إلى عدم إمكانية توزيع عوائد النمو إلا من خلال وساطة للدولة. وفي الواقع، صاحب هذا النمو عملية تفكيك سابق لأوانه لقواعد التصنيع مما هبط بمعدل مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة العربية إلى مستوى أقل من مثيله في دول أفريقيا جنوب الصحراء.
أدت إخفاقات الحوكمة المشار إليها سلفاً إلى سياق ظلت فيه مستويات الفقر البشرى وفقر الدخل مرتفعة بعناد، وخاصة في المناطق الريفية.، كما توقفت معدلات مشاركة النساء في قوة العمل عند نصف المتوسط العالمي، بنسبة بلغت 26 بالمائة.ولا تزال معدلات البطالة مرتفعة جدا وفقا للمعايير العالمية حيث بلغ معدل البطالة بين الشباب أكثر من 20 بالمائة أي ضعف المعدل العالمي. فضلا عن ذلك، تركزت معظم الوظائف الجديدة التي تم توفيرها في المنطقة في القطاع غير الرسمي وارتبطت بتدني الأجور، وغياب الحماية الاجتماعية.
رابعا: نمو غير مستدام قائم على إدارة غير كفؤة للموارد الطبيعية:  قام النمو في المنطقة على حساب قاعدة من الموارد الطبيعية تتزايد هشاشتها على نحو متطرد، حيث تعاني معظم الدول العربية من ندرة المياه، ومن الضغوط والتهديدات المتزايدة الناتجة عن التصحر وتغير المناخ. .وشهدت العديد من فئات السكان، ولا سيما البدو، تهديدات متزايدة لنظم سبل معاشهم، كما عرض عدم استقرار هطول الأمطار سكان الريف لتهديد دائم للانزلاق في دائرة الفقر المدقع. وفي الوقت نفسه، لم يتم استثمار إمكانات المنطقة الهائلة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بشكل فعال.
وعن نافذة الفرص الواعدة لتغيير السياسات، يرى التقرير فرصة في التحولات الديمقراطية التي بدأت في المنطقة لإفراز قواعد جماهيرية من أجل التغيير. وقد بذل  كتاب التقرير محاولة مخلصة لاقتراح خيارات سياسية واقعية وعملية قد تجدها مثل هذه القواعد الجماهيرية الجديدة مفيدة في صياغة برامج الإصلاح، وهى:-
أولا: نحو دور تنموي أكثر واقعية للدولة: في حين أنه ليس هناك من سبب يدعو الدولة للمشاركة في الأنشطة التجارية، فليس بإمكان القطاع الخاص أن ينتج نتائج اجتماعية مثلى بدون قيام الدولة بمسئوليتها حيال الجماعات الهشة لضمان النفاذ إلى الخدمات وجودتها، وممارسة الصلاحيات الرقابية على السوق دون خنقه. ويرى التقرير دورا رئيسيا للدولة يتمثل في الحماية ضد العمليات التعاضدية المتبادلة بين الاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي. ويتطلب هذا توفير حيز للمجتمع المدني لمراقبة أداء الدولة، وأليات تشاركية للمساءلة والحكم المحلي، وجهاز قضائي مستقل وفعال.
ثانيا: عملية نمو تستوعب الجميع: يشير التقرير إلى أن معظم الدول العربية يمكن أن تزيد من النفقات العامة لإزالة الاختناقات التنموية دون المخاطرة بمستويات عالية لا يمكن تحملها من العجز في الميزانية. ويمكن تسهيل زيادة الدخل الناتج عن الأنشطة الاقتصادية المنتجة بواسطة بيئة سياسية داعمة، وتوفير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة من جانب الدولة. وعلى المدى المتوسط يمكن زيادة الإنفاق العام عن طريق إعادة توجيهه بعيدا عن الدعم غير المنصف للوقود والمواد الغذائية والذي يستأثر بحصة رئيسية من النفقات العامة في العديد من البلدان العربية.وسوف يتطلب هذا التغيير مجتمعاً مدنيا نشطاً يضم الجمعيات المهنية والنقابات، وجمعيات حماية المستهلك ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان لضمان وفاء الدولة بوعودها بشكل فعلي.
ثالثا: الاهتمام الفوري بمعالجة إهمال الريف والفوارق دون الوطنية: يؤكد التقرير على ضرورة تبني مشاريع تنمية مناطقية ومحلية مصحوبة بتحسين الخدمات الاجتماعية الأساسية في المناطق المحرومة. وبالنظر إلى أن معظم الفقراء يعيشون في المناطق الريفية، فسيتعين على سياسات التنمية أن تشجع نمو الأنشطة الزراعية وتعزز التنمية الريفية من خلال زيادة الاستثمارات العامة في البحوث والإرشاد الزراعي، فضلا عن توفير الحوافز لزيادة مشاركة القطاع الخاص في المناطق الريفية . وتعد علاقات الحوكمة المحلية التي تستجيب وتخضع للمساءلة ضرورية لمجتمع مدني ريفي مفعم بالحيوية للاستجابة بشكل مناسب لجهود الحد من للفقر في الريف.
وبساعد التبني الفوري لمشروعات الأشغال العامة كثيفة العمالة وجيدة التوجيه ، وكذا الاستثمار العام في الصناعات الاستراتيجية في المنطقة المحرومة على تشجيع الإنتاج المحلي من خلال الاستخدام المبدع لعمليات المشتريات العامة، ومن ثم على التعامل مع التفاوتات دون الوطنية والنقص العام على للطلب. وفي هذا المقام، تعد السلطة القضائية الفعالة وآليات المساءلة الاجتماعية بالغة الأهمية بالنسبة لشفافية المشتريات العامة.
وستكون هناك حاجة لتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية لتغطي القطاع غير الرسمي القائم وكبير الحجم، من خلال توفير حوافز للمؤسسات غير الرسمية لكي تدرج العاملين بها في الخطط الوطنية للتأمين الاجتماعي. كما يجب تيسير نفاذ المؤسسات الرسمية والصغيرة والمتوسطة إلى العقود العامة والائتمان بما يتيح لها أن توسع أنشطتها، ويمكنها من أن توفير فرص عمل إضافية.
رابعا: رؤية بيئية مستقبلية: يجب كبح جماح الاستخدام المفرط للموارد الطبيعية المحدودة، لا سيما الوقود الأحفوري والمياه، من خلال سياسات تسعير أكثر واقعية لكل منهما، وتحويل العائدات المتولدة عنها لتطوير تكنولوجيات توفير المياه، وإنشاء قطاع متكامل للطاقة المتجددة اعتماد اً على تميز المنطقة بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
خامسا: بنية سياسية استيعابية: يشدد التقرير على الحاجة إلى بنية سياسية تستوعب الكافة للحفاظ على قابلية الدولة التنموية للمساءلة الاجتماعية والتأكد من ترجمة الخطاب السياسي إلى عمل حقيقي،. وينبغي على مثل هذه البنية أن توفر مجالا للممارسة المتكافئة لمختلف القوى ،وتشجيع  وسائل الإعلام المهنية ذات النزعة النقدية، والفصل بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية.
سادسا: التكامل الاقتصادي الإقليمي: يؤكد التقرير على أن الحد من الحواجز أمام حركة السلع والخدمات، والعمل والاستثمار سيساعد على خلق سوق مكون من 350 مليون شخص، بما يتيح التخصص فيما بين الدول العربية استنادا إلى مزاياها الجوهرية الأمر الذي سيسمح للمنطقة ببناء إمكاناتها الإنتاجية لها بما يمكنها من التعامل مع العالم. ويمكن لخليط من التمويل من البلدان الغنية، والعمل من الدول الكثيفة السكان، والموارد الطبيعية في البلدان التي لديها أفضل فرص الحصول على المياه، على سبيل المثال، أن يساعد في دعم الأمن الغذائي الإقليمي من دون التكاليف الباهظة التي تتكبدها حاليا العديد من البلدان الراغبة في تحقيق مستوى معين من الأمن الغذائي على المستوى الوطني.
أخيرا يمكن القول بأن أهم رسالة يمكن استخلاصها من التقرير الثاني لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول تحديات التنمية العربية، أن الديمقراطية ضرورية ولكنها ليست كافية، وأن الفشل في معالجة تحديات العدالة الاجتماعية يعرض التقدم العربي نحو التحول الديمقراطي لخطر الاحباط. فالدول العربية تحتاج إلى تبنى نموذجاً " للدولة التنموية" ينهض على عقد اجتماعي جديد من المساءلة المتبادلة، وأن تستبعد نموذج الاقتصاد السياسي الريعي لكي يمكنها الاستجابة إلى تحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية والحرية. ويعني ذلك أن تصبح الدولة أكثر استجابة وخضوعاً للمساءلة من قبل المواطن، بما يسمح له أن يأخذ زمام المبادرة في الشئون المجتمعية بقدر أكبر، وأن يزيل النمط الضار للاعتماد على الدولة الذي طالما كان بمثابة السمة المميزة للعقد الاجتماعي العربي. ويتعين على الحوار العام حول ما يحتاج إلى التغيير أن يضع أسس تدعيم زخم "الربيع العربي" والحفاظ على حيويته. فليس هناك سبب يحول دون أن تحقق هذه المنطقة أفضل النتائج التنموية بالنظر إلى ما تتمتع به من موارد مالية وبشرية وطبيعية.. فلا يزال انبعاث صحوة العرب ممكن اً حتى في ظل السياق العالمي السياسي والاجتماعي الراهن والعسير، إذا ما تم فقط تعبئة طاقة شباب المنطقة لتحويل التحديات التي تواجه المنطقة إلى فرص. إن العالم العربي أغنى مما آل إليه تطوره. وعليه، فإن المهمة الأساسية للدولة التنموية هي الاستثمار في مواطنيها. وسعياً لتحقيق هذا المأرب، فإن ما هو مطلوب وممكن هو إصلاح السياسات الاجتماعية الراهنة، وتطوير خطط تنموية قومية رصينة تركز على السياسات الصناعية والزراعية والتجارية، وزيادة إنتاجية العمل، وتحديد أولويات الاستثمار في القطاعات والمشروعات التي تضمن أساساً اقتصادياً وبيئياً قابل للاستدامة. ومن شأن وضع هذه الاستراتيجيات التنموية القومية موضع التنفيذ في إطار أرحب للتكامل الإقليمي العربي أن يخلق آثاراً إيجابية على الصعيدين الوطني والإقليمي. لقد أوضحت الثورات العربية الراهنة أن استئصال المشاركة باسم الأمن والاستقرار لا يحقق الاستقرار للأنظمة القمعية. ومن الواضح أن الضمانة الوحيدة لزيادة الاستقرار والاستيعاب في المستقبل هي المشاركة الشعبية المستدامة في كافة مراحل العملية السياسية، وليس في أوقات الحماس السياسي إبان الانتخابات فحسب. لهذا وقبل كل شيء، فانه من الضروري  وضع حد لسياسة الولاء وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها من خلال صياغة عقد اجتماعي من المساءلة المتبادلة مع تمثيل حقيقي وضرائب واقعية كركيزتين أساسيتين.
ولا مبالغة في القول بأن الأهداف الأساسية المتمثلة في الحد من الفقر، والتنوع الاقتصادي، وخلق الوظائف والأمن الغذائي يمكن تحقيقها؛ وأن العدالة الاجتماعية والإنصاف والمساءلة متطلبات أساسية لتحقيق هذه الأهداف. إن هذه المنطقة تتمتع بقوة عمل شابة تتطلع في شغف لعمل لائق. كما أنها تتمتع بإمكانيات صناعية وزراعية ومعرفية وخبرات وموارد مالية يمكن توظيفها لاستخدام التقنيات الحديثة لتجاوز مشكلات ندرة المياه، وزيادة الإنتاج الصناعي تحافظ على استدامة قاعدة الموارد الطبيعية.

No comments:

Post a Comment