أحدث رجل الدين المعتدل حسن روحاني مفاجأة بانتخابه رئيسا جديدا لايران من الدورة الاولى، ما يكرس عودة المعتدلين والاصلاحيين الى الحكم في طهران بعد هيمنة للمحافظين استمرت ثمانية اعوام.وحصل روحاني على 18,6 مليون صوت من اصل 36,7 مليون صوت، اي 50,68 في المئة في الدورة الاولى للانتخابات متقدما على خمسة مرشحين محافظين، بحسب النتائج الرسمية.
روحاني، الذي كان رجل الدين الوحيد بين المرشحين والذي يحمل شهادة الدكتوراه في القانون، ليس واحدا من قادة المعسكر الاصلاحي، الذي ظهر بوضوح في أعقاب الانتخابات الرئاسية في عام 2009. ومع ذلك، يعد روحاني هو الأقرب من جميع المرشحين إلى الإصلاحيين، وانه هو أملهم الرئيسي. ويفترض، بالتالي، أنه تم انتخابه أساسا من ثلاث مجموعات: الإصلاحيين والأقليات المختلفة التي وجهها، وأولئك الذين رأوا فيه فرصة للتخفيف من العقوبات المفروضة على ايران وفرصة لتحسين الاقتصاد الإيراني. ويظهر انتخاب روحانى ليعكس رغبة حقيقية في التغيير لدى الجمهور الإيراني وتأثير العقوبات والوضع الاقتصادي المتدهور.
وبتصويت غالبية الإيرانيين لصالح المرشح الإصلاحي، فإن الرسالة الواضحة التي يريدون إرسالها هي أنهم يرغبون في التغيير الذي يطال الكثير من الملفات، ومن بينها الاقتصاد الذي أثر على الوضع المعيشي للإيرانيين وأدى إلى تدهور كبير في حياتهم اليومية.
وكانت الدول الغربية قد شددت من عقوباتها المالية والنفطية على إيران خلال فترة ولاية الرئيس محمود أحمدي نجاد، ما أدى لاحقاً إلى تراجع سعر صرف العملة الإيرانية بأكثر من 60% أمام العملات الأخرى، كما ارتفعت نسبة التضخم تبعاً لذلك، وسجلت مستويات غير مسبوقة بسبب الارتفاع الكبير في أسعار السلع والمواد الأساسية، فيما تراجعت صادرات النفط الإيرانية إلى أكثر من النصف وسجلت أدنى مستوياتها منذ أكثر من عشرين عاماً
وعلى الرغم من أن الجميع يعتقد أن صانع القرار الرئيسي في ايران هو المرشد الأعلى الا أن الرئيس هو ثاني أهم شخصية، وخصوصا في الشؤون الداخلية. وهو الذي يعين الوزراء (في ايران لا يوجد رئيس وزراء)، وهو المسؤول عن إدارة وأداء الحكومة وتشكيل وتنفيذ السياسات الاقتصادية. بينما سلطته في مجال السياسة الخارجية والقضية النووية على وجه الخصوص محدوده - المسؤول الذي يقرر هذه المسألة هو المرشد الأعلى – ومع ذلك فان للرئيس تأثير في هذا المجال لأنه هو رئيس المجلس الاعلى للامن القومي، وقد سبق له في الماضي التعامل مع الشؤون الخارجية والقضية النووية بوصفه رئيسا لفريق التفاوض النووي في عهد الرئيس خاتمي. ولهذا قد يكون جيدا استغلال صورة روحانى باعتباره معتدلا في محاولة لرفع العقوبات وتحسين المكانة الدولية لايران دون دفع ثمن ثقيل جدا حول القضية النووية. خاصة أنه أكد خلال حملته الانتخابية حرصه على اتباع نهج معتدل وإيجاد حل لمشكلة العقوبات و العزلة الدولية لايران.
وقد أبدى المجتمع الدولي استعداده للتعاون مع الرئيس الايراني المنتخب، ورحبت الولايات المتحدة وإدارة الحكومات الغربية الأخرى بنتائج الانتخابات على أمل ان يلبي الرئيس الجديد تطلعات الاسرة الدولية الى تعاون تام من جانب طهران في ملفها النووي اضافة الى موقفها من النزاع السوري.ويرى المحللون الاسرائيليون أن انتخاب روحانى يمكن أن يكون بداية التغيير الداخلي في ايران،كما يمكن أن يحوى إمكانية التوصل إلى اتفاق يكون مقبولا لدى إسرائيل بشأن القضية النووية ،.
والآن وبعد الاعلان عن نتائج الانتخابات، ينتظر العالم بأجمعه من الرئيس المنتخب الاعلان عن برامجه وعن علاقات ايران الخارجية وخاصة العلاقات مع دول الجوار ولاسيما العلاقات مع الدول العربية في الخليج العربي.
ولما كانت العلاقات بين العرب وإيران قد دخلت في أصعب مراحلها خلال رئاسة أحمدي نجاد، فهل هناك فرصة لأن يقوم الرئيس الجديد ببناء علاقات جديدة بين إيران والعرب؟
مرت العلاقات التاريخية بين البلدان العربية وبين إيران بمراحل متعددة قبل وبعد الثورة الإسلامية، ولإيران مكانه هامة في الشرق الأوسط إذ أنها أحد أكبر البلدان الإسلامية لاسيما في المشرق الإسلامي فيما يشكل العرب ثقل العالم الإسلامي. ويمكن القول بأن لدى إيران عموماً ثلاث حلفاء رئيسيِّين في العالم العربي، هُم العراق وسوريا ولبنان، فيما أن أكثر علاقاتها توتراً في المنطقة هي مع دول الخليج العربي.
خلال السنوات الثماني التي مضت تدخلت إيران في الشؤون الداخلية للبحرين واليمن، كما جرى الكشف عن خلايا تجسس لصالح إيران في بعض دول الخليج. وبينما عملت طهران على الإسراع في تطوير قدراتها النووية بحيث باتت قريبة من تحقيق القدرة على إنتاج السلاح النووي، قامت ميليشيات حزب الله التابع لإيران بالمشاركة في الحرب ضد الثوار في سوريا، ورفعت أعلامها الطائفية فوق مواقع احتلتها في هذا البلد العربي، تنفيذا لأوامر طهران.
ومن الممكن أن يساعد انتخاب رئيس إيراني معتدل على تحجيم العداء بين طهران والدول العربية المجاورة لكن الكثير من العرب يشكون في قدرته على إنهاء الصراع الطائفي الذي أذكى الحرب الدائرة في سوريا.ولن يكون لدى الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني المعروف بأسلوبه التصالحي والمدعوم من الإصلاحيين الكثير من النفوذ في السياسة التي يحددها الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي لكن في ظل الصراع الدائر في سوريا والذي يذكي الغضب لدى الدول العربية السنية في أنحاء المنطقة فإن أي بادرة من طهران من الممكن أن تحتويه.ولا شك في أن قدرة روحاني على دفع القيادة الإيرانية للتخفيف من مواجهتها مع دول سنية في المنطقة ليست واضحة لكنها ذات أهمية حيوية، كما أن إصلاح علاقات إيران بالعرب سيتطلب من روحاني أن يضمن دعما قويا من مراكز القوى المهمة في إيران وهذا غير مرجح على المدى القصير.
الرئيس الايراني أعلن خلال حملته الانتخابية انه يريد إقامة أفضل العلاقات مع بلدان العالم ومع دول الجوار وخاصة البلدان العربية في الخليج العربي .
وبناء علي ذلك يمكن القول بأن هناك سيناريوهان مستقبليان للعلاقات العربية الإيرانية تتراوح من الصراع إلي التهدئة, ولكنها في حقيقيتها متداخلة ومتشابكة إلي حدا بعيد, وتتمثل فيما يلي:
السيناريو الأول, تعاوني وتوافقي, ومن خلاله سيكون هناك علاقات جيدة بين الطرفين عن طريق إيجاد حلول واقعية لكل المشاكل العالقة بينهما. وفي ظل هذا السيناريو ستوقف طهران مساعداتها لكل الخلايا الإرهابية في الخليج، وتهدئة الأقلية الشيعية في البلدان العربية, مع محاولة الوصول إلي حل سلمي لقضية الجزر الإماراتية الثلاث عبر التحكيم الدولي أو أي حل آخر يرضي الطرفان, وإنهاء الأزمة السورية عبر وقف طهران دعمها لنظام الأسد.
وفي ظل هذا السيناريو سيحدث تبادل تجاري واقتصادي واستثماري بين الدول العربية وايران, مما سيؤدي إلي معالجة المشكلة الاقتصادية الإيرانية, وربما ستقوم دول الخليج بمحاولة رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران إذا استطاعت أن تقدم المزيد من التنازلات في برنامجها النووي.
أما السيناريو الثاني: فقد يكون تعاوني تارة وصراعي تارة أخري. وفي ظل هذا السيناريو ستكون العلاقة بينهما قائمة علي الشك والريبة, وتميل إلي التهدئة في أغلب الأحيان.
والخلاصة، يتوقف تحقيق أيا منهما علي الرئيس الإيراني الجديد, ومدي انفتاحه علي العالم الخارجي, خاصة الدول العربية وفي القلب منها الخليجية, عن طريق تبديد كل التخوفات لدي الكثير من الدول الخليجية والعربية تجاه ما عرف مؤخرا بمحاولة نشر التشيع في الكثير من الدول الخليجية وبلدان الربيع العربي، وهنا سيكون هناك دور كبير للمؤسسات الدينية( الأزهر وقم) في تقريب وجهات النظر وفتح باب الاجتهاد بين كل علماء المسلمين.
وحين نستقرئ مستقبل العلاقات العربية الإيرانية بعد فوز حسن روحاني بالرئاسة في إيران، فإما أن ننساق وراء النظرة التشاؤمية للعديد من التحليلات بأن الوضع سيبقى كما هو عليه دون تغييرٍ يذكر، أو أن ندرس هذا الأمر بتجرد وموضوعية أكبر ونقول: لا شك في أن حسن روحاني لن يستطيع تغيير أي أمر إذا جاء تحركه منفرداً، وبصفته رئيسا لإيران وحسب.ولهذا يجب على ايران والدول العربية التفكير جيدا في مصلحة شعوبها من خلال اقامة علاقات جيدة ومتوازنة لإقرار الأمن والسلام في المنطقة، دون التدخل في الشؤون الداخليه، وايضا عدم السماح للاجانب بالتدخل في شؤون المنطقة.
No comments:
Post a Comment