يعتبر الأمن الغذائي من التحديات الرئيسية في الوطن العربي، فعلى الرغم من توفر الموارد الطبيعية من الأرض والمياه والموارد البشرية[1]، فإن الزراعة العربية لم تحقق الزيادة المستهدفة في الإنتاج لمقابلة الطلب على الأغذية، واتسعت الفجوة الغذائية لتصل الى نحو 34.3 مليار دولار في عام 2011.[2] وقد ازداد اهتمام الدول العربية بتوفير احتياجاتها من الأغذية في أعقاب الأزمة الغذائية العالمية الحادة التي بلغت ذروتها في عام 2008 وتمثلت في مضاعفة أسعار السلع الغذائية الرئيسية، وتقلص الواردات منها، مما دعا الدول العربية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية مثل دعم أسعار الأغذية وتقنين تصدير السلع الغذائية وإلغاء الضرائب على الواردات وزيادة أجور العاملين.
تطور مفهوم الأمن الغذائي الى كفاية جميع أفراد المجتمع من السلع الضرورية، بعد أن كان يقتصر على الاكتفاء الذاتي. وأصبح مفهوم الأمن الغذائي ينطوي على أربعة أركان هي، أولا: إتاحة المعروض من المواد الغذائية، سواء من الإنتاج المحلي أو من السوق العالمية، ثانيا: استقرار المعروض من المواد الغذائية على مدار السنة ومن موسم لآخر، ثالثا: إتاحة المواد الغذائية للمواطنين كافة وتناسبها مع دخولهم، رابعا: سلامة الغذاء وفق المواصفات المعتمدة. ويعني ذلك أن يحصل كل مواطن على احتياجاته الغذائية الضرورية على مدار السنة دون حرمان، سواء من الإنتاج المحلي أو المستورد. وقد استبدل بمفهوم الاكتفاء الذاتي مفهوم الاعتماد على الذات، وهذا يعني قيام الدولة بتوفير الغذاء من إنتاجها المحلي، فضلا عن توفير النقد الأجنبي من إمكانياتها الذاتية, لاستكمال احتياجاتها من سوق الغذاء العالمي . [3]
ومفهوم الأمن الغذائي، حسب تعريف منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) ،يعني: "توفير الغذاء لجميع أفراد المجتمع بالكمية والنوعية اللازمتين للوفاء باحتياجاتهم بصورة مستمرة من أجل حياة صحية ونشطة." ويختلف هذا التعريف عن المفهوم التقليدي للأمن الغذائي الذي يرتبط بتحقيق الاكتفاء الذاتي باعتماد الدولة على مواردها وإمكاناتها في إنتاج احتياجاتها الغذائية محلياً. وهذا الاختلاف يجعل مفهوم الأمن الغذائي حسب تعريف الفاو أكثر انسجاماً مع التحولات الاقتصادية الحاضرة، وما رافقها من تحرير للتجارة الدولية في السلع الغذائية.[4] وبصفة عامة هنالك محورين أساسين لمفهوم الأمن الغذائي.[5] المحور الأول هو كمية ونوع الغذاء المطلوب توفره لتحقيق الأمن الغذائي والمحور الثاني هو كيفية الحصول على الغذاء سواءً من المصادر المحلية أو الأجنبية وضمان تدفقه من تلك المصادر.
وفيما لا يزال كثير من الدول العربية يسعى إلى التعايش مع نتائج «الربيع العربي» وتداعياته الاقتصادية، تطل برأسها بوادر أزمة جديدة تتعلق بالارتفاع المتوقع في أسعار السلع الغذائية وما ترتبه من استحقاقات ليس في بلدان «الربيع» فحسب، بل امتداداً إلى دول الخليج. فالدول العربية ومن دون استثناء تقريباً تعاني من انعدام الأمن الغذائي.وإذا نظرنا إلى بعض البيانات والأرقام، سواء المتعلق منها بالواقع الحالي، أو بالتنبؤات المستقبلية، يتضح مدى عمق الأزمة التي نتحدث عنها، ويقدر أن تبلغ فاتورة المستوردات الغذائية بحلول 2020 ما يعادل 115 بليون دولار، وهي تقديرات تعتمد على معدل نمو سكاني بحدود 3.5 في المئة خلال العقد المقبل.[6]
ومن الواضح أن المنطقة تواجه تحديات الأمن الغذائي المتمثلة في التناقص المستمر لنصيب الفرد من الأراضي والمياه المتاحة، المصحوب بالزيادة المستمرة في أسعار الأغذية، والجوع، وسوء التغذية، وانعدام أمن سبل معيشة صغار الفلاحين. ومما يدفع الى التشاؤم زيادة أسعار الأغذية واتجاهها المتصاعد نتيجة إلى تضافر عدة عوامل منها (1) الارتباطات القوية بين أسواق النفط وأسواق الأغذية الدولية، (2) زيادة الطلب نتيجة الزيادة السكانية في العالم وزيادة حصص اللحوم والبيض ومنتجات الألبان في سلال الغذاء، (3) موجات الجفاف في المناطق المنتجة للحبوب، (4) تنافس الوقود الحيوي مع الغذاء من أجل المادة المدخلة والأراضي الصالحة للزراعة، (5) السياسات الزراعية الضعيفة وغير المواتية الني تطبق في معظم البلدان النامية، و (6) المضاربات التجارية في السلع الزراعية. بالإضافة إلى هذه العوامل الاقتصادية الإقليمية والدولية التي لم يتغير أي منها حتى الآن، هناك القيود الطبيعية والبيئية التي يفرضها التغير المناخي، وانخفاض كميات المياه الجوفية الصالحة للري، واتساع رقعة التصحر، وانخفاض خصوبة التربة. وتتجلى العوامل الهيكلية طويلة الأمد التي تقود إلى انعدام الأمن الغذائي العالمي بصورة أكثر وضوحا في المنطقة العربية بما فيها من ارتفاع معدلات الزيادة السكانية، وارتفاع معدلات استهلاك الفرد (هذا من جهة الطلب)، أما من جهة العرض فهناك التضاؤل في مساحات الأراضي الصالحة للزراعة، وفي كمية المياه المتجددة .[7]
ويلاحظ أن استيراد الأغذية في الدول العربية يبدأ في التزايد منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، حيث ازدادت نسبته في السنوات الأخيرة، ففي عام 1990 كانت قيمة الفجوة الغذائية[8] حوالي 11.8 مليار دولار، ارتفعت إلى حوالي 13.9مليار دولار عام 2000 ، ثم ازدادت إلى حوالي 18.1 مليار دولار عام 2005 . كما بلغت حوالي 23.8 مليار دولار عام 2007 وازدادت بنحو 40 في المائة في عام 2008 مقارنة بعام 2005 . وتظهر هذه الأرقام أن الفجوة ازدادت بمعدل سنوي بلغ 1.7 % خلال الفترة 1990-2000 ، بينما ازدادت بمعدل سنوي بلغ 8 % خلال الفترة 2000 -2007.[9]وقد استقرت قيمة الفجوة بين عامي 2010 و 2011 م في حدود 34.3 مليار دولار. وقدرت بنحو 35 مليار دولار عام 2012 .
وما زالتإسهامات القطاعات الاقتصاديةالمختلفة في تكوينالناتج المحلي فيالدول العربية تختلفمن بلدٍ لآخرحسب طبيعة هذاالبلد أو ذاك، فهنالك بلدانتعتمد في الأساسعلى إنتاجها النفطيوأخرى تركز علىتجارة السلع والخدماتويبقى إسهام القطاعالزراعي بما فيهالإنتاج الحيواني والسمكيدون المستوى المطلوبإذ لا يتجاوزفي المتوسط نسبة% 18 منالإنتاح المحلي الإجمالي . ولما كانت المصلحةتقتضي تنوع مصادرالدخل فإن إيلاء هذا القطاعالمزيد من الاهتمامأصبح ضرورة حتمية .
وتشكل الثروةالسمكية مورداً اقتصادياًهاماً في الوطنالعربي لما يتمتعبه من مقوماتطبيعية تتمثل في22.7 ألف
كيلومتر منالسواحل البحرية و608 ألف كيلومتر مربع منالجرف القاري الغنيبالأسماك و نحو3 ملايين هكتار
من المسطحاتالمائية والبحيرات والأنهاروالمستنقعات والمجاري المائيةالداخلية، و 16.6 ألفكيلو متر منالأنهار التي تمرفي الأراضي العربية. ينتج الوطن العربيحوالي 4.2 مليون طنمن الاسماك معظمهمن المصايد الطبيعية
وتعتبر الثروة السمكية في الوطن العربي مورداً مهماً في قاعدة الموارد الزراعية العربية،وتعتمد عليها بعض الدول العربية في إنتاج الغذاء وسد الفجوة الغذائية بخاصة في مجال البروتينات الحيوانية، وكذلك في توفير فرص العمل وتحقيق عائدات من النقد الأجنبي نتيجة لتصدير الفائض من الإنتاج السمكي .وعلى الرغم من أهمية المقدرات العربية من الثروة السمكية العربية فإن جزءاً كبيراً منها ما زال غير مستغل ، كما أن تبادل منتجاتها بين الدول العربية ما زال محدوداً.
و تتوزع الثروة السمكية في الوطن العربي بين ثلاثة موارد هي :الموارد البحرية، والمياه الداخلية،و الاستزراع السمكي .
و تقسم السواحل البحرية العربية على أربع مناطق رئيسية هي: منطقة السواحل العربية المطلة على المحيط الهندي وإقليم عدن، ومنطقة البحر الأحمر،ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، ومنطقة المحيط الأطلسي.
اضافة الى الموارد السمكية التي تعتمد على مسطحات المياه العذبة أو الداخلية تتمثل في مجاري الأنهار
والخزانات والسدود السطحية .وتقدر أطوال الأنهار الداخلية في الدول العربية بنحو 16.6 ألف
كيلو متر في حين تقدر مساحة الخزانات والسدود بنحو 2.4 مليون هكتار منها744.2 ألف
هكتار توجد في العراق ومصر والسودان ، وتتواجد في عدد من الدول العربية إمكانيات
استغلال مصادر مياه داخلية وهي :تونس، الجزائر، السودان، سوريا، العراق، مصر، المغرب،
وموريتانيا، واليمن .إلا أن استغلال الموارد الداخلية في أغلب هذه الدول يقتصر على
استغلال المخزونات الطبيعية في الأنهار وشبكة القنوات الرئيسية المتصلة بها، فضلاً عن
البحيرات والمنخفضات الساحلية .وبالاضافة إلى الموارد السمكية السابقة ، توجد موارد أخرى
في مناطق دلتا الأنهار ومصبات المياه العذبة على البحار والخلجان.
ويعتبر الاستزراع السمكي أحد المصادر الأساسية لتوفير البروتين الحيواني ذي القيمة الغذائية العالية ، وبأسعار مناسبة وفي متناول الجميع هذا فضلا عن دوره في حماية المصايد وتدعيم المخزونات الطبيعية وتوفير فرص عمل ومصادر دخل إضافية للمشتغلين في هذا القطاع. كما أصبح الاستزراع السمكي في الفترة الأخيرة يمثل أحد المصادر المهمة للثروة السمكية، حيث بدأ ينتشر في الدول العربية مساهما بنحو 25 % من الإنتاج العربي من الأسماك عام 2012 م.
يساهم قطاع الاستزراع السمكي مساهمة كبيرة في الحد من الفقر وتحقيق الأمن الغذائي
من خلال:
-1 الفوائد الغذائية من استهلاك الأسماك كمصدر مهم للبروتين الحيواني.
-2 مصدر دخل العاملين في القطاع.
-3 الآثار المباشرة وغير المباشرة على القطاعات الأخرى.
-4 توليد إيرادات من التصدير والضرائب ورسوم الترخيص ورسوم الاستثمار الأجنبي في
مجال الاستزراع السمكي وتربية الأحياء المائية.
وتعتبر الأسماك إحدى السلع التصديرية الأساسية في الوطن العربي ويقدر إنتاجها بنحو 4.2 مليون طن في 2012 م، تنتج المصايد الطبيعية نحو 75 % من إجمالي الإنتاج، ويتكفل الاستزراع السمكي بإنتاج الكميات الأخرى والذي يأتي معظمه من مصر. ويأتي حوالي 75 % من الإنتاج العربي من الأسماك من ثلاث دول هي: مصر والمغرب وموريتانيا
إنتاج الأسماك في الوطن العربي )ألف طن)
وبالرغم من أهمية الاستزراع السمكي في زيادة إنتاج الأسماك ودوره المتزايد على المستوى
العالمي إلا أن مساهمته في إنتاج الأسماك في الوطن العربي تعتبر متواضعة نسبياً وينحصر
بصفة رئيسية في مصر والتي تساهم بنحو 94 % من إنتاج المزارع السمكية في الوطن
العربي. ويعزى ذلك إلى عدد من المحددات تتمثل أهمها في:
•نقص التمويل اللازم لقيام مشروعات متخصصة لاستزراع الأسماك والأحياء
المائية.
•عدم إيلاء كثير من الحكومات الاهتمام اللازم بنشاطات الاستزراع السمكي،
واقتصار جهودها على الصيد وتنمية المصايد الطبيعية.
•الأمراض والآفات التي تصيب الأسماك والأحياء المائية، والنقص الحاد في الكوادر
المتخصصة في تشخيص وعلاج أمراض الأسماك.
•نقص الأعلاف السمكية المصنعة للأسماك المستزرعة.
•قلة المفرخات السمكية ذات الطاقات الإنتاجية العالية.
•قصور القوانين والتشريعات الناظمة لنشاط الاستزراع السمكي في العديد من
الدول العربية.
•غياب السياسات المشجعة للاستثمار في الاستزراع السمكي.
•ضعف وسائل الإرشاد والتوعية وأنشطة بناء القدرات.
[1] قدرت المساحةالمزروعة بالوطن العربي(1.4 %) منإجمالي المساحة الزراعية فيالعالم والمقدرة بنحو (4869.7) مليون هكتار فيعام2011 م. ويلاحظ أن هناك استقرارنسبي في نسبةالأراضي الزراعية إلىالمساحة الأرضية الكلية علىالمستويين العربي والعالمي،حيث بلغت على المستوىالعربي حوالي((4.9 %، أما عالمياًحوالي(%11.8) في عام 2011 م. أما بالنسبة لموارد الثروة البشرية فتقدر أعداد سكانالوطن العربي عام 2011 مبحوالي (368) مليوننسمة منهم حوالي (159.3)مليون نسمة(%43.3) سكانريفيون. راجع: المنظمة العربية للتنميةالزراعية،أوضاع الأمن الغذائيالعربي، جامعة الدول العربية ،2011 ،ص6
[3] سالم عبد الكريم اللوزى وآخرون،تحديات الأمن الغذائي العربي، مؤسسة عبد الحميد شومان,الأردن ،الطبعة الأولى،2009، ص ص5-6
[5] صديق الطيب منير محمد ،المفاهيم الأمنية في مجال الأمن الغذائي، كلية علوم الأغذية والزراعة ، جامعة الملك سعود،بدون سنة نشر،ص ص 7-8
[6] إبراهيم سيف، أسعار الأغذية نذير أزمة في الدول العربية، الثلاثاء ٢٥ سبتمبر ٢٠١٢. متاح في:http://alhayat.com/OpinionsDetails/438100
[7] راجع:
-برنامج الأمم المتحدة الإنمائي،تقرير تحديات التنمية العربية 2011:نحو دولة تنموية في العالم العربي،المركز الإقليمي للدول العربية، القاهرة، مصر،2011،ص ص 57-58
- سالم عبد الكريم اللوزى وآخرون،تحديات الأمن الغذائي العربي، مرجع سابق، ص ص6-7
[8] فيما يتعلق بالفجوة الغذائيةللمجموعات السلعية الرئيسية فيالوطن العربي فيتمتقديرها على أساس الفرقبين الإنتاج وماهو متاح للاستهلاك،أي صافي الاستيراد منالسلع الغذائية، بافتراضعدم وجود مخزوناتمرحَّلة،وبدون تضمين تجارةالسلع الغذائية البينيةالعربية إذ أن فجوةالغذاء العربية تعنىبالسلع التي تستوردها الدول العربية منخارج الوطن العربي.