لا شك في أنما يميز أيّ صناعة هو منتجاتها؛لأن مزايا هذه المنتجات والحاجة اليها هى التي تُحدِّدالطلب عليها؛ ومن ثمّ تُحدِّد استدامة صناعتها. وقد تزايد الطلب على المنتجات المالية الاسلامية فيظل توجه عالمي متنامٍ نحو الاستثمارالأخلاقي المتوافق مع المعاملات الإسلامية التي تستبعد الرِّ با والغرَ ر والتعدي على أموال الناس، وتجتنب التعامل مع المنتجات الضارة بالمجتمع.ويلاحظ أن الإقبال الكبير على المنتجات الشرعية حاليا مصحوب بوعي العملاء الذينأصبحوا لا يقبلون على أيّ منتج يقال إنه "إسلامي"؛ بل يسألون عن التفاصيل وكيفيةموافقته للشريعة. ولهذافإن التحديات المتعلقة بالمنافسة في البيئة المصرفية العالميةتفرض على البنوك الإسلامية ابتكار أوعية ادخارية وأساليب استثمارية متطورة تلبي الاحتياجات الأساسية للعملاء، مع مراعاة الجمع ببن السلامة الشرعية والكفاءة الاقتصاديةوإمكانية التطبيق. ولمّاكان هناك عمر زمني لكل منتج ينتهى بمرحلة الحاجة إلى التجديد، والمجيء بفكرةجديدة تجعل لهذاالمنتج بعداً جديداً وحاجة جديدة بقبلعليها العملاء مرة أخرى؛ فان الابتكارالمالي Financial Innovation أصبح ضرورة ملحة في البنوك الاسلامية . فالشريعةالإسلامية لم تحجر دائرة الابتكار، وإنما على العكس، حجرت دائرة الممنوع، وأبقت دائرة المشروع متاحة للجهد البشري في الابتكار والتجديد.
ويشيرالابتكارالماليفيالصناعةالماليةالإسلاميةإلى "مجموعة الأنشطةالتي تتضمنعملياتالتصميم،والتطوير،والتنفيذلأدواتوآلياتماليةمبتكرة،والصياغة لحلولإبداعيةلمشاكلالتمويل،كلذلكفيإطارموجهات الشرعالحنيف" ،وهو بذلك يتضمن العناصرالتالية:
- ابتكارأدواتماليةجديدة،مثل: بطاقاتالائتمان؛
- ابتكارآلياتتمويليةجديدةمنشأنها تخفيضالتكاليفالإجرائيةلأعمالقائمة،مثل: التبادلمنخلالالشبكة العالميةوالتجارةالإلكترونية؛
- ابتكارحلولجديدةللإدارةالتمويلية،مثل: إدارةالسيولةأوالديون،أوإعداد صيغتمويليةلمشروعاتمعينةتلائمالظروفالمحيطةبالمشروع؛
- أنتكونالابتكاراتفيالأدواتأوالعملياتالتمويليةموافقةللشريعة الإسلامية؛بحيثتكونمحلّاتفاققدرالإمكان.
والابتكارالمقصودليسمجرّدالاختلافعنالسائد؛بللابدأنيكون هذا الاختلافمتميزاإلىدرجةتحقيقها لمستوىأفضلمنالكفاءةوالمثالية. ولذافلابدأن تكونالأداةأوالآليةالتمويليةالمبتكرةتُحقِّقمالاتستطيعالأدواتوالآلياتالسائدة تحقيقه.
وعليهفيمكن القول بأن جوهرالصناعة المالية هوالابتكار والتجديد. وتتميزالابتكاراتالماليةالإسلاميةبمجموعةمنالخصائصعنالابتكاراتالمالية التقليدية،فهى تجمعبينالكفاءةالاقتصاديةوالمصداقيةالشرعية،وهما خاصتان مترابطتانمنجهة؛وتضمناناستفادةجميعالأطرافمنجهة أخرى،هذافيالوقت الذيتتسبب فيهالابتكاراتالماليةالتقليديةالتيلاتتقيَدبأيّقيدفيحدوثالأزمات الماليةمنخلالانهيارالبورصاتوإفلاسالشركات .[2]
وعلى الرغم من إجماع الكل على أهمية الابتكار والتطوير المستمر للمنتجات المالية إلا أن هذا الاهتمام لم يترجم حتى الآن إلى منهج علمي وعملي يتناسب وأهميتها فما زالت إدارات تطوير المنتجات بحاجة الى مزيد من التخصصية والمهنية مقارنة مع غيرها من الإدارات في مؤسسات الصناعة التقليدية التي نجدها تولي اهتماما أكبر في هذا الجانب وتنفق مبالغ طائلة لتطوير وابتكار منتجاتها المالية التي تلبي احتياجاتها وتغطي طلب الأسواق.
ويمكن تلخيص حاجة البنوك الاسلامية الى الابتكار المالى في النقاط التالية:[3]
1- تنويع مصادر الربحية للمؤسسة المالية.
2- تجنب تقادم النتجات الحالية للمحافظة على النمو وكما هو معلوم أن لكل منتج دورة حياة وفي مرحلة تشبع السوق يتوقف الطلب على المنتج ويستقر عند أدنى مستوياته.
3- تقليل مخاطر الاستثمار بتنويع صيغه وقطاعاته.
4- دعم المركز التنافسي للمؤسسة المالية في السوق.
5- التطوير المستمر للمنتجات يزيد من خبرة المؤسسة ويبقيها في حيوية مستمرة.
ويمكنأن ينتج الابتكار المالى في البنوك الإسلامية من خلال طريقتين اولاهما، المحاكاة :الذي تعنيأن يتم سلفًاتحديد النتيجة المطلوبةمن المنتج ،وهي عادة النتيجةنفسها التي يحققها المنتج التقليدي.وثانيهما،الأصالة والابتكار: أي إيجاد صناعة هندسة مالية إسلامية والبحث عنالاحتياجات الفعلية للعملاءوالعمل على تصميم المنتجات المناسبةلها، شرط أنتكون متوافقة ومبادئالشرع الإسلامي. وهذا المنهجيتطلب دراسة مستمرةلاحتياجات العملاء والعملعلى تطوير الأساليب التقنية والفنيةاللازمة لها، وذلكلضمان الكفاءة الاقتصاديةللمنتجات المالية،
كمايتطلب وضع أسسواضحة لصناعة هندسةمالية إسلامية مستقلةعن الهندسة المالية التقليدية. ولا ريب أنهذا المنهج أكثركلفة من التقليدوالمحاكاة،لكنه في المقابلأكثر جدوى وأكثرإنتاجية ويحافظ علىأصالة المؤسسات الماليةالإسلامية، كما يسمحلها بالاستفادة من منتجات الصناعةالمالية التقليدية مادامت تفي بمتطلباتالمصداقية الشرعية،كما يساعدذلك على استكمالالمنظومة المعرفية للصناعةالمالية الإسلامية.[4]
ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن جميع المنتجات التي تقدمها الصناعة المالية التقليدية غير مناسبة للتمويل الإسلامي، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذ بها. ولكن يجب التمييز بين اقتباس ما يتلاءم مع فلسفة التمويل الإسلامي ومبادئه، وبين محاكاة الأساس الذي تقوم عليه المنظومة التقليدية ومع ذلك يترك هذا أثره الخطير ففي حين لا تتطلب إنتاج هذه الأدوات الكثير من الجهد والوقت في البحث والتطوير، بل مجرد متابعة المنتجات التي تطرحها الصناعة التقليدية وتقلدها من خلال توسيط السلع، فإنها تلقي بظلالها الفاسدة وتترك آثارا سلبية كثيرة على الصناعة المالية الإسلامية منها : [5]
1. ضعف قناعة العملاء بالمنتجات الإسلامية، وجعل التمويل الإسلامي محل شك وريبة وقد يؤدي ذلك إلى أن تبدأ المصرفية الإسلامية بفقد عملائها خاصة الذين لا يشكل الوازع الديني لديهم الدافع الأكبر للتعامل مع هذه المصارف.
2. تحول الضوابط الشرعية إلى تكلفة إضافية. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تحمِّل المؤسسات المالية هذه التكلفة على العميل، لتكون المنتجات الإسلامية المقلدة في النهاية أكثر كلفة من المنتجات التقليدية، مع أنها تحقق في النهاية النتيجة نفسها .
3. إن المنتجات التقليدية تناسب الصناعة التقليدية وهى جزء من منظومة متكاملة من الأدوات والمنتجات القائمة على فلسفة ورؤية محددة ،وتحاول معالجة مشكلاتها وأمراضها، لهذا فإن محاكاة هذه المنتجات تستلزم التعرض لنفس المشكلات ويؤدي الى أن تعاني الصناعة المالية الإسلامية في النهاية من نفس الأمراض والأزمات التي ألمًت بالصناعة المالية التقليدية. إضافة الى تهديد الصناعة المالية الإسلامية بفقدان شخصيتها حيث تغدو تابعة بالجملة للصناعة التقليدية.
وختاما ، يعتبر الابتكار المالي من أهم المجالات التي تهتم بها إدارات البنوك الناجحة, لان الابتكار المالي يجعل البنك متواجدا بشكل فعال وكفؤا في السوق المصرفية, لما فيه من تجديد منتجاته المالية لتلبية الاحتياجات التمويلية المعاصرة, لكن الأهم من ذلك أن تكون لدى المصارف الإسلامية استراتيجيات واضحة وهادفة بهذا الخصوص, لان هذه الاستراتيجيات تضبط عملية الابتكار المالي, بعيدا عن التخبط والتناقض بين الأهداف والتطبيق. ولا شك في أن الابتكار المالى يحتل أهمية قصوى في البنوك الاسلامية خاصة في ظل الضغوط التنافسية الحادة التي تفرضها التغيرات الجذرية التي يشهدها العالم بالتحول للاقتصاد الحر، إضافة إلى ترابط أسواق التمويل الدولية بفضل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وما لم تصل المصرفية الإسلامية إلى ابتكار منتجات تحمل طابع الاستقلالية عن المنتجات التقليدية القائمة، فإنها ستظل غير قادرة على المنافسة في ظل المتغيرات العالمية التي أصبحت تتسم بالتجدد والتعدد والاستمرار. وهذا يتطلب اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه. ومن هذه الخطوات، عدم اقتصار دور الهيئات الشرعية في المصارف الإسلامية على التحليل والتحريم، عليها أن تقود عمليات الإبداع والتطوير في المنتجات والآليات المصرفية لدى المصارف الإسلامية. كما لابد من التأكيد على أن ما تقوم به بعض البنوك الإسلامية من "أسلمة" للمنتجات المصرفية بإضفاء صبغة شرعية عليها من شأنه الإضرار بصناعة المصرفية الإسلامية بشكل عام. فيجب ابتكار منتجات خاصة بالأفراد، العمل في اتجاه ثقل الخبرة و المعرفة للوصول الى منتجات مبتكرة وإسلامية بشكل كامل، لدرجة أنها تختلف بشكل جذري عن المنتجات التقليدية.ايضا يجب التأكيد على أن مستقبل المصارف الإسلامية يتوقف على مدى التطوير العلمي لهذه المؤسسات، واستغلال أحدث الطرق والأبحاث العلمية في توسيع دائرة التمويل، وابتكار صيغ جديدة للمفهوم المصرفي، وتطوير الصيغ الموجودة حالياً لتتلاءم وتواكب التطورات المصرفية واتجاهات العولمة المالية، سعياً لإرضاء المتعاملين بالداخل والخارج كأحد متطلبات العولمة من ناحية، واستجابة للتطورات التي حدثت في الفكر الإداري من برامج الجودة الشاملة إلى الهندرة أو الإدارة بالتجوال؛ الأمر الذي يتطلب من إدارات المصارف والهيئات المالية الأخرى بذل مزيد من الجهد وإعمال الفكر وتحديث طرق وأساليب تقديم الخدمات .
[1] إبراهيم سامي السويلم، صناعة الهندسة المالية: نظرات في المنهج الإسلامي،مركز البحوث، شركةالراجحي المصرفية للاستثمار،ابريل 2004 م، ص٥. متاح في :
http://www.halal2.com/files/Principles%20of%20Fin%20Eng%20v3.pdf
[2] عبد الحليم غربي، الابتكار المالي في البنوك الإسلامية: واقع وآفاق،مجلة العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، العدد 9، 2009 ،ص 224. متاح في
http://www.univ-ecosetif.com/revueeco/Cahiers_fichiers/revue-09-2009/13-GHARBI.pdf
[3] محمد عمر جاسر،نحو منتجات مالية إسلامية مبتكرة،ورقة عمل مقدمة إلى مؤتمر المصارف الإسلامية اليمنية المقام تحت عنوان " الواقع ..وتحديات المستقبل"، تنظيم نادي رجال الأعمال اليمنيين في الفترة 20-21 مارس 2010 صنعاء – الجمهورية العربية اليمنية،ص ص 7-8
[4] للتفاصيل راجع:عبد الكريم قندوز، "الهندسة المالية الإسلامية"، مجلة جامعة الملك عبدالعزيز: الاقتصاد الإسلامي،م ٢٠ ع ٢، جدة، 2007،ص ص 5-8
No comments:
Post a Comment