Saturday, February 8, 2014

حوكمة التعليم في مصر

حوكمة التعليم في مصر

يشير التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع لفترة2013 / 2014  الصادر عن منظمة اليونيسكو أن  الوضع في مصر بلغ حداً مفرطاً، وذلك بسبب تدني نوعية التعليم من جهة، واضطرار المعلمين إلى زيادة دخلهم المنخفض من جهة أخرى. فالمبالغ التي تنفق سنوياً على الدروس الخاصة تصل إلى 2.4 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 27 % من الإنفاق الحكومي على التعليم في عام 2011 وتشكل الدروس الخاصة جزءاً كبيراً من إنفاق الأسر على التعليم، إذ بلغ متوسط هذا الإنفاق نسبة 47 % في المناطق الريفية و 40 % في المناطق الحضرية. ويتاح للأطفال المنتمين إلى الأسر الغنية نحو ضعفي الفرص التي تتاح للطلاب الأكثر فقراً فيما يخص الحصول على الدروس الخاصة. وقد يكون المعلمون هم أنفسهم الذين يعطون الدروس الخاصة لطلابهم، وهم بالتالي المسؤولون عن منحهم درجاتهم في المدارس. ويشكو الطلاب من أن المعلمين لا يقومون بتغطية المنهج الدراسي على طول اليوم الدراسي،ويجبرون الطلاب بذلك على اللجوء إلى الدروس الخاصة لتغطية المناهج والتمكن بالتالي من النجاح في الامتحانات.
ويعدّ تحسين الحوكمة الخاصة بنظام التعليم في مصر أمراً حيوياً،فبإمكان الإدارة السليمة لشؤون التعليم )الحوكمة الجيدة( أن تيسر تعزيز المساءلة، وأن ترفع مستوى المشاركة وتزيل أوجه التفاوت في التعليم.
والحوكمة كلمة تستحضر في الذهن مجموعة من العمليات السياسية والإدارية والتنظيمية المجردة.ولكن ينبغي ألا يفوتنا ما لممارسات الحوكمة في مجال التعليم من تأثير حقيقي على حياة الناس العاديين وآمال وتطلعات الآباء والأبناء وعلى آفاق التنمية البشرية للشعوب. ولكي نفهم مدى أهمية الحوكمة الجيدة في مجال التعليم يكفي التأمل في نقيضها. فالحوكمة السيئة تضع الآباء والمجتمعات تحت رحمة نظام تعليمي غير مسؤول عن التعليم الذي يوفره ولا يستجيب لاحتياجاتهم، وتجعل النظم التعليمية عاجزة عن رفع مستوى التحصيل التعليمي. كما تؤدي إلى أن أطفال المجتمعات المحلية والأقاليم يجلسون في قاعات دراسية لا تتوفر فيها المواد التعليمية الأساسية تحت مسؤولية معلمين غير مدربين ومحبطين. وتعني الحوكمة السيئة في بعض الحالات عدم وصول الموارد المالية للمدارس التي خصصت لها.
إن سوء الحوكمة في مجال التعليم يسيء إلى المجتمع بأسره، ولكن عبأها الأعظم يقع دوماً على عاتق الفقراء. والحوكمة الجيدة لا تعني فقط ضمان الشفافية والمساءلة وإنما تقتضي أيضاً الالتزام بتأمين تكافؤ الفرص أمام جميع المواطنين. وخلافاً للأسر الثرية القادرة على أن تختار إلحاق أبنائها بالتعليم الخاص،فإن الأسر الفقيرة تعتمد كلياً على الحكومات لتوفير الخدمات التعليمية. وعندما تكون هذه الخدمات رديئة النوعية أو صعبة المنال بسبب بعد المسافة أو ارتفاع التكاليف، يكون الفقراء هم الخاسرين دوما.ً ومن المؤشرات على سوء الحوكمة في مجال التعليم الفوارق الشاسعة في التمويل بين المناطق الغنية والمناطق الفقيرة، وعدم قدرة الفقراء على تحمل تكاليف التعليم، وعدم الاهتمام بالاستراتيجيات الكفيلة بالوصول إلى  المحرومين. والأسر الفقيرة هي أيضاً التي تعاني أشد المعاناة من تبعات الفشل في معالجة مشكلة الفساد،ذلك المؤشر الآخر على الحوكمة السيئة. وعندما لا تتلقى المدارس الموارد المخصصة لها، أو عندما تفرض رسوماً غير نظامية، يكون الفقراء هنا أيضاً الأقل قدرة على الدفع. تتكون الحوكمة من مجموعة المؤسسات والقواعد والمعايير التي يتم من خلالها رسم السياسات وتنفيذها وتطبيق المساءلة. ويتمثل إصلاح الحوكمة في أوسع معانيه في العمل على تغيير قواعد اللعبة، أي تغيير العمليات الإجرائية المتبعة في اتخاذ القرارات وتنفيذها من قبل أعضاء منظمة أو مجتمع ما. ولكن الحوكمة لا تقتصر على العمليات المؤسسية النظرية أو القواعد الشكلية وإنما تعنى أيضاً بعلاقات القوة في المجتمع. وهي في أبسط معانيها تحدد من هو المسؤول عن اتخاذ القرار في مجال السياسات وكيف توزع الموارد عبر المجتمع وكيف تتم مساءلة الحكومات.
وباتت الحوكمة الجيدة عنصراً محورياً في جدول أعمال التنمية الدولية. وهي تعتبر، فيما يتجاوز نطاق التعليم، شرطاً لازماً لتعزيز النمو الاقتصادي والتعجيل في الحد من الفقر وتحسين توفير الخدمات. ويستدل من البيانات المجتمعة عن أكثر مؤشرات الحوكمة استخداماً أن الأهداف المتوخاة كثيرة متنوعة تتراوح بين تعزيز الديمقراطية المتعددة الأحزاب وحتى مكافحة الفساد وتعزيز حكم القانون وزيادة مساءلة المؤسسات العامة وزيادة مشاركة المواطنين وإسماع صوتهم إن الحوكمة في مجال التعليم لا تقتصر على نظام الإدارة والتنظيم الإداري للتعليم في بلد ما. فهي تتعلق بمعناها الأوسع بالعمليات الرسمية وغير الرسمية التي تتم بواسطتها صياغة السياسات وتحديد الأولويات وتخصيص الموارد وتطبيق الإصلاحات ورصد تنفيذها. وليست الحوكمة شأن الحكومة المركزية وحدها وإنما تخص كل مستوى من مستويات النظام ابتداء من وزارة التربية والتعليم وحتى قاعة الدراسة والمجتمع المحلي. وهي في نهاية المطاف معنية بتوزيع سلطة اتخاذ القرارات على جميع المستويات.


وينهض بالنظام التعليمي في مصر عدة مؤسسات مختلفة:
أولا: وزارة التربية والتعليم ، وهي التى تتولي العملية التعليمية بدءا من مرحلة رياض الأطفال وانتهاء بمرحلة شهادة اتمام المرحلة الثانوية ، سواء تم ذلك عن طريق المدارس الحكومية أو المدارس الخاصة ، ويوجد تحت ذلك عدة مراحل وأشكال بيانها كالتالي
1- مرحلة رياض الأطفال : وتبدأ مع سن الرابعة من عمر الطفل وتنتهى مع سن الخامسة ، وأحيانا يسبقها فترة تسمي مرحلة (تمهيدي رياض أطفال ) من عمر ثلاث سنوات .
2- مرحلة التعليم الأساسي ( الابتدائي والإعدادي) وتبدأ مع سن السادسة وتنتهى مع سن الخامسة عشرة من عمر الطالب ، وهى على أنواع ثلاث (أ) المدارس الحكومية  (ب) مدارس اللغات الحكومية " التجريبية"   (ج) مدارس الخاصة لغات/ عربي
وفي خلال هذه المرحلة يدر س لطالب مواد اللغة العربية والتربية الدينية واللغة الإنجليزية بمستويين : الوزاري والمستوي الرفيع ، والرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية واللغة الفرنسية والتى يبدأ تدريسها في المدارس الخاصة لغات من الصف الرابع الابتدائي والأنشطة وتشمل التربية الفنية والموسيقية والرياضية والأنشطة العلمية والعملية .
3-مرحلة التعليم الثانوي: وهى عبارة عن ثلاث سنوات ، وتنقسم لثلاث أنواع (أ) التعليم الثانوي العام  (ب) التعليم الثانوي التجاري (ج) التعليم الثانوي الصناعي  (د) التعليم الثانوي الزراعي. والدخول في هذه المراحل يعتمد على المجموع الذي يحصل عليه الطالب الامتحان النهائي للشهادة الإعدادية. مع العلم أن شهادة التعليم الفنى( زراعي- تجاري- صناعي ) شهادات منتهية يحصل بعدها الطالب على دبلوم فنى ، ويمكن للمتفوقين في الشهادة الثانوية الفنية استكمال دراستهم في الكليات المناظرة (كلية الزراعة- التجارة – الهندسة) إذا حققوا درجات عالية . أما التعليم الثانوي العام (الثانوية العامة ) فهى تمثل أصعب المراحل الدراسية لأن على أساس المجموع الذي يحصل عليه الطالب يتحدد نوع الدراسية الجامعية (طب – صيدلة – إعلام- هندسة –سياحة – لغات وترجمة – اقتصاد وعلوم سياسية- القانون والحقوق- التجارة – الآداب – التربية -....)
هذا بالإضافة إلى وجود عدد من المدارس الدولية بمصر والتى تقدم الشهادة الثانوية البريطانية المعروف باسم (IGCSE ) أو التى تقدم الدبلومة الأمريكية (American Diploma )
ثانيا:الأزهر الشريف : وهو المؤسسة الثانية في مصر وتسير على نفس النظام في التعليم الحكومى ؛فهناك المرحلة الابتائية والإعدادية واثانوية الأزهرية ، لكن أبرز نقاط الاختلاف بين النظام الأزهري والتعليم الحكومي هو مايلي
(أ) التركيز في الأزهر على دراسة القرآن وعلومه مثل التفسير والتجويد ، وكذلك علوم الأحاديث ةالعقائد والعبادات الإسلامية إضافة إلى العلوم الحياتية مثل الفيزياء والكيمياء واللغات ..
(ب) لا يوجد مرحلة التعليم الثانوي الفني للأزهر فلا يوجد دبلوم تجاري أو زراعي أو صناعى أزهري ، فكل الحاصلين عى الشهادة الثانوبة الأزهرية يلتحقون بكليات جامعة الأزهر
(ج) الامتحانات في نهاية المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية في الأزهر تكون على مستوي الجمهورية أما في التعليم الحكومى فيكون على مستوي المحافظة في المرحلة الابتدائية والإعدادية ، أما الثانوية فتكون على مستوي الجمهورية
ثالثا: وزارة التعليم العالي: وهى وزارة منفصلة عن وزارة التربية والتعليم وتختص بشئون الجامعات، سواء الجامعات الحكومية أو الجامعات الخاصة .

ومن المسلم به أن هناك صلات بين التعليم، والنمو الاقتصادي، وتوزيع مستويات الدخل، والحد من الفقر. فالتعليم يزود الناس بالمعارف والمهارات التي يحتاجون إليها كي يزيدوا دخلهم ويوسعوا فرص حصولهم على العمل. ويصدق هذا القول على مستوى الأسر كما يصدق على مستوى النظم الاقتصادية الوطنية. فمستويات الإنتاجية، والنمو الاقتصادي، وأنماط توزيع الدخل مرتبطة ارتباطاً جوهرياً بالوضع التعليمي وبتوزيع فرص الانتفاع بالتعليم. وقد أدى تزايد التكافل الاقتصادي على الصعيد العالمي وتزايد أهمية عمليات النمو الاقتصادي القائمة على استغلال المعارف، إلى زيادة العوائد التي تجنى من التعليم وزيادة الثمن الذي يترتب على القصور في مجال التعليم.


و يؤثر التعليم على جانبي المعادلة.فتحسين الانتفاع بفرص التعليم الجيد يمكن أن يعزز النمو الاقتصادي عن طريق زيادة الإنتاجية ودعم التجديد وتيسير اعتماد التكنولوجيات الجديدة. ويشكل الانتفاع الواسع النطاق بالتعليم الأساسي الجيد أحد الأسس لتحقيق النمو على نطاق واسع إذ أنه يمكّن الأسر الفقيرة من زيادة إنتاجيتها والتمتع بقدر أكبر من ثمار الرخاء على المستوى الوطني.
ولم يستطع أي بلد قط أن يحد من الفقر في الأجل المتوسط بدون أن يكون فيه نمو اقتصادي مستدام. ويضطلع التعليم بدور حاسم في توفير المعارف والمهارات اللازمة لتحقيق مكاسب في الإنتاجية تغذي عملية النمو. ويلفت أحد البحوث الحديثة الانتباه إلى أهمية مدة البقاء في التعليم ونتائج التعلّم بالنسبة إلى النمو الاقتصادي. فبعد وضع نموذج عن آثار مستوى التحصيل الدراسي في خمسين بلداً خلال الفترة بين عامي 1960 و 2000 ، خلصت الدراسة إلى أن قضاء سنة إضافية في التعليم المدرسي يزيد متوسط الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 0.37 %. وأن توافر مهارات معرفية أفضل يزيد من تأثير ذلك إلى حد كبير وأن التأثير المركب يؤدي في المتوسط إلى رفع معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار نقطة مئوية كاملة.كما أن هناك بعض الدلائل على أن المكاسب التي تتحقق في مجال نوعية التعليم يمكن أن تؤثر على المهارات المعرفية في البلدان النامية بقدر أكبر مما في البلدان المتقدمة.وتؤثر نوعية التعليم تأثيراً كبيراً على العوائد الاقتصادية
التي تجنيها الأسر أيضاً. فقد كشف بحث أجري في خمسة عشر بلداً مشاركاً في الاستقصاء الدولي عن محو أمية الكبار، عن أن حدوث انحراف معياري في معدل القرائية )وهو مؤشر خاص بالنوعية( يؤثر على الأجور بقدر أكبر من تأثير قضاء سنة إضافية في التعليم المدرسي - وهذا ما يؤكد أن المهم هو نتائج التعلّم.


ويمثل التعليم أداة أساسية لانتشال الأفراد من قبضة الفقر،ولمنع توارث الفقر على مر الأجيال. فالتعليم يمكن العاملين في القطاع الرسمي من الحصول على راتب أعلى، ويوفر سبل معيشة أفضل للعاملين في القطاع الزراعي والقطاع غير الرسمي في المناطق الحضرية.

يعد التعليم من أنجع الأدوات لتحسين صحة الأفراد. فالتعليم ينقذ أرواح الملايين من الأمهات والأطفال، كما يساعد في الوقاية من الأمراض واحتواء خطرها، ويمثل عنصراً هاماً في إطار الجهود المبذولة من أجل الحد من سوء التغذية. فالمتعلمون أكثر إلماماً بمخاطر الأمراض، وهم يتخذون التدابير الوقائية،ويتنبهون إلى أعراض الإصابة بمرض ما في مرحلة مبكرة ، وهم يلجأون في العادة أكثر من غيرهم لخدمات الرعاية الصحية. وعلى الرغم من منافع التعليم، كثيراً ما يتم إهمال دوره كأداة حيوية في خدمة الصحة وكوسيلة لزيادة فعالية الخدمات الصحية الأخرى.

ويمثل التعليم، ولا سيما التعليم الذي يستهدف تمكين المرأة،مفتاح التغلب على مشكلة سوء التغذية التي تعد من الأسباب الكامنة المسؤولة عن 45 % من الوفيات بين الأطفال. فالأمهات المتعلمات على علم بما ينبغي تطبيقه في المنزل من ممارسات صحية ونظيفة، وهن أقدر على كفالة توزيع موارد الأسرة على نحو يلبي الاحتياجات التغذوية للأطفال. ففي البلدان ذاتالدخل المنخفض وبلدان الشريحة الدنيا للدخل المتوسط، من شأن توفير خدمات التعليم الابتدائي لكافة النساء أن يؤدي إلى انخفاض بنسبة 4% )أي 1.7 مليون طفل( في عدد حالات التقزم التي تعتبر مؤشراً هاماً لقياس درجة سوء التغذية، كما أن توفير التعليم الثانوي من شأنه أن يقلل من حالات التقزم بنسبة 26 % أي 11.9 مليون طفل.
إن التعليم يساعد الأفراد على فهم مبادئ الديمقراطية، كما يعزز   التسامح والثقة اللذين يمثلان أساساً للديمقراطية، ويشجع الأفراد على المشاركة في العمل السياسي. ويضطلع التعليم كذلك بدور حيوي في ما يخص درء خطر تدهور البيئة، وفي ما يتعلق بالحد من نطاق الأسباب والآثار المرتبطة بتغير المناخ.كما أن التعليم من شأنه أن يساهم في تمكين المرأة لمساعدتها على تجاوز عقبات التمييز الممارس ضدها، وعلى المطالبة باحترام حقوقها.
إن السياسات الوطنية القوية التي تعطي درجة عالية من الأولوية لتحسين التعلّم والتدريس تُعتبر ضرورية لضمان اكتساب جميع الأطفال الملتحقين بالمدارس ما يُفترض أن يكتسبوه من مهارات ومعارف. ويجب أن تُحدد في الخطط التعليمية الأهداف ومؤشرات القياس التي يمكن الاستناد إليها لمساءلة الحكومات، وكذلك الأساليب التي تتيح تحقيق الأهداف المرجوة. ولا بد من جعل مسألة تحسين التعلّم، ولا سيما في صفوف الأطفال الأشد حرماناً، هدفاً استراتيجياً. ويجب أن تشمل الخطط التعليمية عدة نهوج معدة بالتشاور مع المعلمين ونقابات المعلمين، ترمي إلى تحسين كفاءات المعلمين. ويجب أن تكفل هذه الخطط توافر القدر الكافي من الموارد لدعم تنفيذ الاستراتيجيات.

فالتعليم الأساسي حق من حقوق الإنسان وليس مادة يمكن الاتجار بها. وبالتالي، فإنه يجب أن يكون متوافراً للجميع بصرف النظرعن القدرة على دفع أي أجر. كما يجب أن يتولى القطاع العام تنظيم الخدمات في هذا المجال فيرصد لها ما يلزم من تمويل ويكفل إدارتها ويضع أطراً توجيهية واضحة في هذا الشأن.
ولا يعني تولّي القطاع العام زمام القيادة أن أطرافاً فاعلة مثل المنظمات غير الحكومية وهيئات القطاع الخاص لا تملك أي دور أومسؤوليات في هذا المجال. وإذا توافرت الظروف المؤاتية، يمكن أن تؤدي ممارسة الاختيار والتنافس في ظل قواعد تنظيمية سليمة إلى رفع مستويات التعليم ولا سيما في مرحلة التعليم الثانوي.ولكن هناك أخطار شديدة تهدد الإنصاف. وحيثما يؤدي إخفاق التعليم الحكومي إلى تصاعد النزعة التجارية وانتشار المدارس الخاصة المنخفضة الرسوم، يتعاظم خطر انعدام الإنصاف وتشتت الخدمات وتفاوت المعايير. لذا فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الحكومات التي تفشل نظم التعليم الأساسي فيها هو القيام بإصلاح هذه النظم.

وتتأثر الخدمات التعليمية كغيرها من الخدمات بالظروف السائدة في مجال الحوكمة. فإن ضعف الديمقراطية والشفافية واحترام القانون، يؤثر على المساءلة والمشاركة. وفي إطار التعليم، تربط هياكل الحوكمة بين العديد من الجهات الفاعلة وهي التي تحدد شروط التفاعل فيما بينها. فقدرة الآباء على المشاركة في القرارات المدرسية، وعلى محاسبة المدرسة والمعلمين، وضمان الوصول إلى المعلومات، مشروطة بتوزيع الحقوق والمسؤوليات في إطار نظم الحوكمة. كما أن القواعد الناظمة لشؤون الحوكمة هي التي تحدد شروط حشد المعلمين وتوزيعم وتدريبهم، وتؤثر بشدة على دوافع المعلمين ومهاراتهم. وخارج نطاق قاعة الدراسة، تحدد نظم الحوكمة العلاقة فيما بين أجهزة المدرسة والحكومة المحلية والحكومة المركزية. كما تحدد من يضع الأولويات ويتخذ  القرارات في الميادين الأساسية ابتداء من المناهج التعليمية وحتى إدارة شؤون المعلمين والإشراف على المدارس ومراقبة عملها. وفي مجال التمويل  تعنى حوكمة التعليم بكيفية ترتيب الأولويات وتعبئة الموارد وتخصيصها وإدارتها.وكما توحي به هذه القائمة غير الشاملة، فإن الحوكمة تحشد جهود مجموعة كبيرة من الأطراف الفاعلة والعديد من الجهات الحكومية على شتى المستويات مما يؤثر عملياً على جميع القرارات المتخذة في مجال التعليم. وقد تكون العلاقات بين الأطراف الفاعلة والوكالات الحكومية في إطار البلد الواحد بالغة التعقيد والتنوع. كما أن تغيير الحوكمة يمكن أن يتخذ معان شديدة الاختلاف في بيئات مختلفة. فاللامركزية مثلا قد تعني إعادة توزيع السلطة في مجال ما )مثل حشد المعلمين( دون  مجالات أخرى )مثل أجور المعلمين أو تصميم المناهج الدراسية(. وقد تعني تفويض السلطات السياسية ولكن الاحتفاظ بدرجة عالية من المركزية في مجال المسؤوليات المالية.

ويعد توفير العدد الكافي من المعلمين المتحمسين والمؤهلين والمدربين التدريب المناسب ركناً أساسياً في توفير تعليم جيد للجميع ولا بد أن تعمل جميع البلدان على تحديد مستويات الأجور على نحو يعزز هذا الركن. فانخفاض الأجور إلى حد الفقر وسوء ظروف العمل يضعفان حوافز المعلمين، كما أن تحسين بيئة التدريس من خلال توفير المواد التعليمية والتدريب والدعم عامل أساسي في رفع معنوياتهم.
لهذا يتعين على واضعي السياسات إتاحة كل الفرص الممكنة للمعلمين من أجل تسخير دوافعهم وطاقاتهم ومعارفهم ومهاراتهم للعمل على تحسين التعلم لدى الجميع.وتتمثل الخطوة الأولى للحصول على معلمين جيدين في اجتذاب أفضل المرشحين لمزاولة المهنة وأكثرهم اندفاعاً. فالكثير ممن يقررون أن يصبحوا معلمين يستمدون اندفاعهم من الرضا الناجم عن مساعدة الطلاب على التعلم، وتحقيق إمكاناتهم الكامنة وتحويلهم إلى مواطنين مسؤولين.
وإن مجرد الشعور بالرغبة في التدريس لا يكفي، بل ينبغي على الراغبين في الالتحاق بالمهنة أن يكونوا، هم أنفسهم، قد حصلوا على تعليم جيد. فيتعين عليهم أن يكونوا قد أتموا مرحلة التعليم الثانوي على الأقل بصورة ملائمة من حيث نوعية التحصيل وأهميته، حتى يكون لديهم معرفة سليمة بالموضوعات التي سيقومون بتدريسها وقدرة على اكتساب المهارات اللازمة للتدريس.بيد أن التدريس لا يستميل دوماً أفضل المرشحين. ففي بعض البلدان، يُنظر إلى التدريس بوصفه عملاً من الدرجة الثانية يمتهنه من لم يحقق نتائج جيدة على الصعيد الأكاديمي للخوض في مسارات وظيفية ذات مكانة أرقى، مثل الطب والهندسة. أما مستوى المؤهلات المطلوبة للدخول في سلك التعليم فهو إشارة تدل على المكانة المهنية لهذا المجال.
ويمكن أن يساعد التجديد في استخدام التكنولوجيا في الارتقاء بعملية التعلم عن طريق إثراء توزيع المناهج الدراسية الخاصة بالمعلمين وتشجيع الاتسام بالمرونة في أسلوب التعلم لدى التلاميذ. كما يمكن أن يساعد تيسير إمكانية الوصول إلى الحواسيب في المدارس في تقليص الفجوة الرقمية لدى التلاميذ بين فئة الدخل المنخفض وفئة الدخل المرتفع. ومع ذلك، لا تعدّ التكنولوجيا الجديدة بديلاً للتعليم الجيد.  وتقوم قدرة المعلمين على استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بوصفها مورداً تعليمياً بالاضطلاع بدور بالغ الأهمية في الارتقاء بالتعلم. ويمكن للتعليم التفاعلي الإذاعي أن يؤدي إلى تحسين نتائج التعلم لدى الطلاب المنتمين إلى الفئات المحرومة باللجوء إلى معالجة بعض العوائق مثل بعد المسافة والصعوبة في إمكانية الانتفاع بالموارد التعليمية والمدرسين الأكفاء،ويمكن للصفوف الدراسية الرقمية استكمال الصفوف التي يدرّس فيها معلمون ذوو كفاءة أدنى بتوفير تسجيلات مرئية رقمية للصفوف الدراسية الحية التي يدرس فيها معلمون خبراء ويمكن أن يساعد التجديد في استخدام التكنولوجيا في الارتقاء بعملية التعلم عن طريق إثراء توزيع المناهج الدراسية الخاصة  بالمعلمين وتشجيع الاتسام بالمرونة في أسلوب التعلم لدى التلاميذ. كما يمكن أن يساعد تيسير إمكانية الوصول إلى الحواسيب في المدارس في تقليص الفجوة الرقمية لدى التلاميذ بين فئة الدخل المنخفض وفئة الدخل المرتفع. ومع ذلك، لا تعدّ التكنولوجيا الجديدة بديلاً للتعليم الجيد.

وتقوم قدرة المعلمين على استخدام تكنولوجيا المعلومات   والاتصالات بوصفها مورداً تعليمياً بالاضطلاع بدور بالغ الأهمية في الارتقاء بالتعلم. فاستخدام المعلمين للإنترنت  بوصفه مورداً تربوياً يمكن له أن يدعم التعليم والتعلم في الصفوف الدراسية التجديدية، مما يؤدي إلى تحسين النتائج في الاختبارات الدراسية.
وهناك طريقة واعدة لتوسيع نطاق الانتفاع بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم والتعلم تتمثل في التعلم الجوال الذي يقوم على استخدام الهواتف المحمولة وغيرها من الأجهزة الإلكترونية المحمولة ينبغي أن تضمن المناهج قدرة الأطفال والشباب على ألا يتعلموا المهارات الأساسية فحسب، بل أيضاً المهارات القابلة للتحويل مثل التفكير النقدي وحل المشكلات وحشد التأييد وتسوية النزاعات، وذلك لمساعدتهم في أن يصبحوا مواطنين عالميين مسؤولين. ويمكن أيضا أن يؤدي اتباع نهج متعدد التخصصات يشمل التدريب العملي والأنشطة التعليمية ذات الصلة بالمجتمع المحلي إلى تطوير فهم الطلاب للبيئة وبناء المهارات اللازمة لتعزيز التنمية المستدامة.

ويعدّ تحسين الحوكمة الخاصة بالمعلمين أمراً حيوياً لتقليص الحرمان في مجال التعلم. وفي حالة ضياع بعض أيام الدراسة بسبب غياب المعلمين، أو إيلاء المزيد من الاهتمام للدروس الخاصة أكثر مما يولى للتدريس في الصف، على سبيل المثال،فإن ذلك قد يعرّض تعلم الأطفال الأشد فقراً للأذى. ويعدّ فهم الأسباب الكامنة وراء هذه المشكلات أمراً بالغ الأهمية فيما يتعلق بوضع الاستراتيجيات الفعالة لحل تلك المشكلات.
كما أنه لا بد من إدارة قوية للمدرسة لتضمن حضور المعلمين في الوقت اللازم وأداء عملهم في كل أيام الأسبوع وتقديمهم الدعم للجميع على قدم المساواة. والعنف القائم على نوع الجنس الذي يمارسه المعلمون في بعض الأحيان يحدث أضراراً في فرص التعلم لدى الفتيات. أما الاستراتيجيات الرامية إلى منع المعلمين من ارتكاب سوء السلوك والتصدي لذلك واتخاذ الإجراءات اللازمة في حق مرتكبي الخطأ فتتطلب تأييداً ودعماً من مدير المدرسة، ومن المعلمين ونقاباتهم، وكذلك من المجتمعات المحلية،إذا أريد للفتيات أن يحظين بالحماية.
وينبغي على الأقل وضع الاستراتيجيات اللازمة لمنع المعلمين من إعطاء الدروس الخاصة للتلاميذ، عندما يكون هؤلاء المعلمون هم الذين يتولون مسؤولية تدريس هؤلاء التلاميذ في إطار الصفوف الدراسية اليومية. وهذا ما يضمن أن تتاح تغطية كاملة للمناهج الدراسية لجميع الطلاب، حتى لأولئك الذين لا يستطيعون تحمل أعباء الدروس الخاصة.

المصدر : التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع ،اعداد مختلفة

Thursday, February 6, 2014

دور أدوات الحوكمة في تنظيم الرقابة الشرعية و تطويرها



دور أدوات الحوكمة في  تنظيم الرقابة الشرعية و تطويرها

إعداد: حسين عبد المطلب الأسرج
E.Mail:elasrag@ gmail.com
 الملخص
تهدف هذه الورقة إلى إلقاء الضوء على دور الحوكمة في تنظيم الرقابة الشرعية وتطويرها وتجانسها .فمفهوم الحوكمة يتداخل بشكل أو بآخر مع تحديات أخرى تتعلق بعمل الهيئات الشرعية وأجهزة الرقابة الملحقة بها، وطبيعة تنظيم وإدارة الجودة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية. ولا شك في أن تطبيق أدوات الحوكمة على هذا النظام الشرعي الذي تعمل في إطاره المؤسسات المالية الإسلامية  يعمل على تلافى الكثير من العيوب الهيكلية التي ترتبط ارتباطاً جوهرياً بما يُعرَف اليوم بمفهوم الحوكمة المؤسسية (Corporate Governance) ،ويعمل على  تلافى كثير من  جوانب الضعف في جودة الالتزام الشرعي في المؤسسات المالية الإسلامية، وكان هذا الضعف في كثير من الأحيان محلاً لتوجيه الانتقاد البَنَّاء وغير البَنَّاء للصناعة المالية الإسلامية.
مشكلة البحث
تعاظم الاهتمام بمفهوم وآليات الحوكمة في العديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة، حيث أصبحت الحوكمة من الموضوعات الهامة علي كافة المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية خلال العقود القليلة الماضية، خاصة في أعقاب الانهيارات المالية والأزمات الاقتصادية، والتي جاءت كنتيجة مباشرة للقصور في آليات الشفافية والحوكمة ببعض من المؤسسات المالية العالمية ،وافتقار إدارتها إلي الممارسة السليمة في الرقابة والإشراف ونقص الخبرة والمهارة ،التي أثرت بالسلب في كل من ارتبط بالتعامل معها ،سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة .
وقد شهدت الصناعة المالية الإسلامية في السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً في أحجام الأصول التي تدار تحت مظلتها، بالإضافة إلى النمو الملحوظ في أعداد المؤسسات المالية الإسلامية التي قررت لنفسها العمل وفقاً للشريعة الإسلامية، كذلك إصدارات الصكوك والصناديق الاستثمارية الإسلامية، بل وتعدى الأمر ليصل إلى المؤسسات والشركات غير المالية التي اختارت أن تتوافق في تعاملاتها مع متطلبات الشريعة الإسلامية .
ولا شك في أن تطبيق أدوات الحوكمة على هذا النظام الشرعي الذي تعمل في إطاره المؤسسات المالية الإسلامية  يعمل على تلافى الكثير من العيوب الهيكلية التي ترتبط ارتباطاً جوهرياً بما يُعرَف اليوم بمفهوم الحوكمة المؤسسية (Corporate Governance) ،ويعمل على  تلافى كثير من  جوانب الضعف في جودة الالتزام الشرعي في المؤسسات المالية الإسلامية، وكان هذا الضعف في كثير من الأحيان محلاً لتوجيه الانتقاد البَنَّاء وغير البَنَّاء للصناعة المالية الإسلامية.
ولاشك بأن الرقابة الشرعية أضحت بالفعل فناً علمياً له أصوله وآلياته وفنياته المتداخلة فيما بين مبادئ التدقيق المتعارف عليها والمتطلبات الشرعية، وهي في مُجمل مضامينها تنطلق بالضرورة من أصول القواعد والضوابط الشرعية. وكذلك تعتبر أساليب الرقابة الشرعية بمثابة المُحدِّد الرئيسي للإطار العام للخطط التنظيمية والآليات المُنتهجة في عملية التدقيق، وبما يُعزِّز من قدرة إدارة المؤسسة على اتخاذ القرارات الكفيلة بحماية أصولها ومجابهة مختلف المخاطر والتحديات. فما هو الدور الذى يمكن ان تقوم به أدوات الحوكمة في  تنظيم الرقابة الشرعية وتطويرها وتجانسها؟.
هدف البحث
             نظراً لوجود ثقافة إسلامية متميزة واهتمام كبير بالمعاملات المالية والعلاقات الاقتصادية الذى يمثل ضبطها محل الحوكمة ، فان هذا البحث يهدف إلى دراسة الحوكمة كمدخل لتنظيم الرقابة الشرعية و تطويرها وتجانسها.وحيث أن الحوكمة مفهوماً وتطبيقاً تكاد تتعلق عند الإطلاق بالقضايا المحاسبية لوجود سياسات وإجراءات وتطبيقات حاكمة للمعالجات المحاسبية رغبت الشركات والبنوك التجارية أن تحتكم إليها طواعية قبل فرض أحكام بازل 2 وبازل 3 .ويسعى البحث الى القاء الضوء على مفهوم الحوكمة في مجال الرقابة الشرعية ؛ لإيجاد نسق اجرائي يعزز الرقابة الشرعية ، ويزيد من صلاحية هيئات الرقابة الشرعية ، مع الاستفادة من جوانب الحوكمة في تعزيز دور الهيئات الشرعية في قضايا الأخلاقيات المهنية و الإشراف والرقابة والشفافية والمصداقية والعدل وغيرها.
أهمية البحث
يستمد هذا البحث أهميته من تزايد الاهتمام بكل من دور  الرقابة الشرعية وضرورة  تطويرها والحوكمة وكون أسسها ومبادئها وآلياتها تعد من المفاهيم الحديثة على المستوى العالمي بصفة عامة ، وعلى المستوى المحلي بصفة خاصة وأن الوعي بهذه المفاهيم وتطبيقاتها يؤدي إلى تحقيق قدر كبير من الشفافية والعدالة ، وبالتالي حماية حقوق جميع أصحاب المصالح فيها ، والحد من مشكلة الفساد المالي والإداري - الذي يتمثل بشكل كبير في استغلال السلطة والوظيفة في غير المصلحة العامة - مما يؤدي إلى زيادة كفاءة أداء المؤسسات وتعظيم قيمتها.
فرضية البحث:
-     إن الالتزام بتطبيق الجوانب الفكرية للحوكمة على الرقابة الشرعية سينعكس بشكل جيد على أداء المؤسسات الاسلامية التي توجد  بها بأبعادها التشغيلية والمالية والنقدية ، وكذلك على المقاييس المختلفة المستخدمة .
-     أن تطبيق الحوكمة يساعد على إيجاد مفهوم ومقاييس شاملة لأداء الرقابة الشرعية مما يدعم من قدراتها على الاستمرار والنمو ويحقق مصالح الفئات المختلفة المتعاملة معها.
منهج البحث
يعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي. وهو معمول به في كثير من البحوث والدراسات ، خاصة تلك التي تتناول ظواهر اجتماعية تتعلق بالممارسات اليومية ، حيث تم الاطلاع على عدد من البحوث والدراسات المنشورة في الدوريات والمجلات العلمية المتخصصة ، وكذلك المنشورة على شبكة الانترنت ، بالإضافة إلى الاطلاع على آليات وقواعد الحوكمة الصادرة عن المنظمات والهيئات العالمية والمحلية، وأخضعت للتحليل والمناقشة بما يخدم أهداف البحث، وذلك بهدف المواءمة والمزاوجة بين نظام الرقابة الشرعية وبين أنظمة وآليات الحوكمة بطريقة ابتكارية لحل العقبات والإشكاليات وتوفير الضمانات التي تسهم بآلياتها في تثبيت كفاءة وفعالية الرقابة الشرعية وكذلك حمايتها وحماية المتعاملين، ومن ثم اقتراح بعض التوصيات التي قد تساهم في اعطاء مرجعية مفيدة لدور الحوكمة كمدخل لتنظيم الرقابة الشرعية و تطويرها وتجانسها.
اولا: أهمية حوكمة أنشطة الرقابة الشرعية:
تعاظم الاهتمام بمفهوم وآليات الحوكمة في العديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة،أصبحت الحوكمة من الموضوعات الهامة علي كافة المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية خلال العقود القليلة الماضية، خاصة في أعقاب الانهيارات المالية والأزمات الاقتصادية، والتي جاءت كنتيجة مباشرة للقصور في آليات الشفافية والحوكمة ببعض من المؤسسات المالية العالمية، وافتقار إدارتها إلي الممارسة السليمة في الرقابة والإشراف ونقص الخبرة والمهارة ،التي أثرت بالسلب في كل من ارتبط بالتعامل معها، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. نتيجة لكل ذلك زاد الاهتمام بمفهوم الحوكمة وأصبحت من الركائز الأساسية التي يجب أن تقوم عليها الوحدات الاقتصادية ، ولم يقتصر الأمر علي ذلك بل قامت الكثير من المنظمات والهيئات بتأكيد مزايا هذا المفهوم والحث علي تطبيقه في الوحدات الاقتصادية المختلفة ، مثل : لجنة كادبوري Cadbury Committee والتي تم تشكيلها لوضع إطار لحوكمة المؤسسات باسم   Cadbury Best Practice  عام 1992 في المملكة المتحدة ، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والتي قامت بوضع مبادئ حوكمة الشركات Principles of Corporate Governance عام 1999،وصندوق المعاشات العامة(Calpers) في الولايات المتحدة الأمريكية ، كذلك لجنة       Blue Ribbon Committee  في الولايات المتحدة الأمريكية والتي أصدرت مقترحاتها عام 1999 م .
وعلى الرغم من الارتباط بين مصطلح الحوكمة والعولمة والأزمات ، زيادة الاهتمام به بين كل من المهتمين بالدراسات  المحاسبية والاقتصادية والإدارية والقانونية إلا أنه ما زال مجال اختلاف وعدم اتفاق الباحثين والأكاديميين والمهتمين بهذا الأمر مما أدي إلي ظهور العديد من المصطلحات المستخدمة بيد أن المصطلح الأكثر استخداما علي الأقل في المجال الأكاديمي والبحثي هو "الحوكمة " كمرادف قريب لمصطلح Governance     .
وكلمة governance معناها حاكمة من الإحكام والحاكمية؛ وبالرجوع إلى معاجم اللغة العربية والبحث تحت لفظ «حكم» نجد أن العرب تقول: حكمت واحكمت وحكّمت؛ بمعنى: منعت ورددت؛ ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكم لأنه يمنع الظالم من الظلم؛ ومن المعاني لكلمة «حَكَم»: حَكَمَ الشيء وأحكمه كلاهما: منعه من الفساد .
ورغم أن لفظ حوكمة لم ترد في القواميس العربية على هذا الوزن, إلا أن المعنى العام لها من مادة لفظ حكم الذى يعنى كما سبق القول المنع من الظلم والفساد وهو المتفق عليه اصطلاحا لكلمة الحوكمة التي تهدف الى منع الظلم والفساد.
وتعرف الحوكمة على أنها مجموعة من القرارات والإجراءات والسياسات والقوانين التي تؤثر في الطريقة التي تدار وتراقب بها الشركات بطريقة تعزز وتضمن كفاءة أعلى وأداء ماليا أفضل وتقلل الحاجة لرقابتها.ان الهدف الأساسي من تطبيق مبادئ الحوكمة هو ضمان تماشي أهداف إدارة الشركة مع أهداف المساهمين. فوجود نظام عادل للحوكمة سوف يكفل توافق أهداف المساهمين مع أهداف إدارة الشركة ويعزز من ثقة المستثمرين بكفاءة النظام الذي يحمي حقوقه .
إن مصطلح الحوكمة بأوسع معنى له يكون معنياً بتحقيق التوازن بين الأهداف الاقتصادية والأهداف الاجتماعية من جهة وأهداف الفرد وأهداف الجماعة من جهة أخرى. أى أن الإطار العام للحوكمة موجود لكى يشجع على الاستخدام الأكفأ والعادل للموارد ، ويعمل علي تفادى سوء استخدام السلطة  وكذلك تفادي التحايل على القواعد والنظم واللوائح .ولذلك يمكن تلخيص أهم مبادئ وركائز الحوكمة والتي بموجبها يمكن القضاء أو علي الأقل تقليل الفساد والانحراف في كافة مناحي الحياة العامة والخاصة الي الحد الأدنى وهى :
1.    وجود اطار عام للمناخ التشريعي والقوانين بالدولة تحمي حقوق جميع أفراد  المجتمع مع تحديد المسئوليات والواجبات .
2.    العدالة والمعاملة المتكافئة والمتوازنة لجميع افراد المجتمع .
3.    الافصاح والشفافية في كل ما يصدر عن المسئولين من بيانات و معلومات.
4.    المساءلة والمحاسبة وهو ما يعني أن يعقب الافصاح دائما محاسبة المسئولين بشفافية كاملة.
5.     هذا بجانب أن يكون هناك سياسات واضحة وموثقة لكيفية تجنب تعارض المصالح وخطة لتتابع السلطة  في الادارات العليا التنفيذية
وترتبط الرؤية التقليدية لحوكمة الشركات ارتباطاً كبيراً بالفصل بين الملكية والإدارة، وهي من المشاكل التي تنشأ بين أصحاب الشركات ومديريها. وتقول تلك النظرية إن مصالح المديرين والملاك قد تتضارب وقد لا تكون لها أية علاقة بإدارة الأنشطة اليومية للمؤسسة، وذلك في الوقت الذي يحتاج فيه الملاك إلى ضمانات تكفل تصرف المديرين بما فيه مصلحة الشركة )أو أصحابها( وليس بما فيه مصلحتهم هم. وهنا يأتي دور حوكمة الشركات، حيث تنشئ الآليات الضرورية لضمان قيام مديري المؤسسة بالتحركات المناسبة. فهي تساعد، على سبيل المثال، في منع سرقة الإدارة للممتلكات أو إساءة استخدامها.
أما بالنسبة لمفهوم حوكمة الشركات، توجد عدة صياغات وهى إن اختلفت من حيث الألفاظ إلا أن دلالاتها متقاربة, ومنها ما يلى:
1 – حوكمة الشركات: هي الإطار الذى تمارس فيه الشركات وجودها, وتركز الحوكمة على العلاقات فيما بين الموظفين وأعضاء مجلس الإدارة والمساهمين وأصحاب المصالح وواضعي التنظيمات الحكومية, وكيفية التفاعل بين كل هذه الأطراف في الإشراف على عمليات الشركة.
2- عرف تقرير لجنة كادبرى البريطانية, الحوكمة: أنها النظام الذى يتيح للمساهمين توجيه وإدارة ومراقبة شركتهم عن طريق تعيين أعضاء مجلس الإدارة واختيار المراقب الخارجي, كما تشمل الحوكمة تنظيم الحقوق والمسئوليات المناطة بالأطراف ذات العلاقة بالشركة وتقديم الآلية التي تحقق التوازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للشركة من جهة, وبين الأهداف الفردية والأهداف المشتركة من جهة أخرى.
3- في تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) جاء: أن نظام حوكمة الشركات هو الهيكل الذى تنتظم من خلاله إدارة الشركة والرقابة عليها, مع التأكيد على أن يتضمن هذا الهيكل نظاماً للحوافز للمديرين ومجلس الإدارة مرتبطا بأداء الشركة الذى يهدف إلى تعظيم أرباح المساهمين ويؤدى إلى تشجيع الإدارة على الاستثمار الأمثل لموارد الشركة.
4- في تعريف رابع جاء: إن حوكمة الشركات تعنى بشكل عام, القوانين والقواعد والمعايير التى تحدد العلاقة بين إدارة الشركة من جهة, وحملة الأسهم وأصحاب المصالح والأطراف المرتبطة بالشركة من جهة أخرى, وبشكل أكثر تحديداً يقدم مصطلح حوكمة الشركات إجابات لعدة تساؤلات من أهمها: كيف يضمن المساهمون ألا تسئ الإدارة استغلال أموالهم؟ وكيف يتأكد هؤلاء المساهمون أن الإدارة تسعى إلى تعظيم ربحية وقيمة أسهم الشركة في الأجل الطويل؟ وما مدى اهتمام الإدارة بالمصالح الأساسية للمجتمع؟ وأخيراً كيف يتمكن حملة الأسهم وأصحاب المصالح من رقابة الإدارة بشكل فعَال ؟.
وتعتبر مفاهيم الشفافية، والمسئولية، والمساءلة، والعدالة بمثابة  المبادئ الأساسية للحوكمة الرشيدة للشركات. وقد حددت الأدبيات عدة قنوات يمكن من خلالها أن تؤثر حوكمة الشركات على النمو والتنمية ومن ذلك  ما يلى:
1-  زيادة فرص الحصول على التمويل الخارجي من قبل الشركات. ويمكن أن يؤدي الى زيادة معدلات الاستثمار، وتحقيق معدلات نمو أعلى، وزيادة توليد فرص العمل.
2- خفض تكلفة رأس المال وما يرتبط بها من ارتفاع مستوى تقييم الشركة ،مما يجعلها أكثر جاذبية  للمستثمرين وبالتالي  تحقيق المزيد من الاستثمارات ، مما أيضا يؤدى للمزيد من  النمو والمزيد من توليد فرص العمل.
3- الأداء التشغيلي بشكل أفضل من خلال تخصيص الموارد وإدارة أفضل. وهذا يخلق ثروة أكثر عموما.
4- بناء علاقات أفضل مع جميع أصحاب المصلحة عموما، وتقليل مخاطر حدوث الأزمات عموما والمالية بشكل خاص، والتي يمكن أن يكون لها تأثير كبير على التكاليف الاقتصادية والاجتماعية.
    وتجدر الاشارة الى أنه يتم تطبيق الحوكمة وفق خمسة معايير توصلت إليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 1999، علما بأنها قد أصدرت تعديلا لها في عام 2004.  وتتمثل في:
1-    ضمان وجود أساس لإطار فعال لحوكمة الشركات: يجب أن يتضمن إطار حوكمة الشركات كلا من تعزيز شفافية الأسواق وكفاءتها، كما يجب أن يكون متناسقا مع أحكام القانون، وأن يصيغ بوضوح تقسيم المسئوليات فيما بين السلطات الإشرافية والتنظيمية والتنفيذية المختلفة.
2-    حفظ حقوق جميع المساهمين: وتشمل نقل ملكية الأسهم، واختيار مجلس الإدارة، والحصول على عائد في الأرباح، ومراجعة القوائم المالية، وحق المساهمين في المشاركة الفعالة في اجتماعات الجمعية العامة.
3-    المعاملة المتساوية بين جميع المساهمين: وتعنى المساواة بين حملة الأسهم داخل كل فئة، وحقهم في الدفاع عن حقوقهم القانونية، والتصويت في الجمعية العامة على القرارات الأساسية، وكذلك حمايتهم من أي عمليات استحواذ أو دمج مشكوك فيها، أو من الاتجار في المعلومات الداخلية، وكذلك حقهم في الاطلاع على كافة المعاملات مع أعضاء مجلس الإدارة أو المديرين التنفيذيين.
4-    دور أصحاب المصالح في أساليب ممارسة سلطات الإدارة بالشركة: وتشمل احترام حقوقهم القانونية، والتعويض عن أي انتهاك لتلك الحقوق، وكذلك آليات مشاركتهم الفعالة في الرقابة على الشركة، وحصولهم على المعلومات المطلوبة. ويقصد بأصحاب المصالح البنوك والعاملين وحملة السندات والموردين والعملاء.
5-    الإفصاح والشفافية: وتتناول الإفصاح عن المعلومات الهامة ودور مراقب الحسابات، والإفصاح عن ملكية النسبة العظمى من الأسهم، والإفصاح المتعلق بأعضاء مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين. ويتم الإفصاح عن كل تلك المعلومات بطريقة عادلة بين جميع المساهمين وأصحاب المصالح في الوقت المناسب ودون تأخير.
6-    مسئوليات مجلس الإدارة: وتشمل هيكل مجلس الإدارة وواجباته القانونية، وكيفية اختيار أعضائه ومهامه الأساسية، ودوره في الإشراف على الإدارة التنفيذية.
‏    ونلاحظ من هذه المبادئ ان الحوكمة تعالج علاقات القوة والمسؤولية بين أربع مجموعات كبيرة تحيط بإدارة الشركة المساهمة. المجموعات التي نتحدث عنها هي: أصحاب العلاقة           ( المستفيدون، الدائنون، الحكومة، المجتمع، الموظفون ..) ، الجمعية العمومية ( الملاك) ، مجلس الإدارة والإدارة العمومية أو التنفيذية. وتقدم الحوكمة الإدارية كما :كرنا اعلاه مجموعة من الإجراءات والترتيبات التي تحكم العلاقات بين هذه المجموعات لتكون علاقات إيجابية منتجة وليست مدعاة للتنافس السلبي وضياع مصلحة الشركة. على سبيل المثال لو أبدعت إحدى المجموعات ونجحت في تحقيق غاياتها وسبقت المجموعات الاخرى لم تتحقق الحوكمة الإدارية لان شرطها المصلحة الجماعية. كذلك لو نجحت المجموعات كل على حدة فكل سيبدع لتحقيق مصالحه الضيقة ولن تتحقق المصلحة الكلية للشركة.
ومن الاستعراض العام لهذه النصوص يتضح أن مفهوم الحوكمة يدور حول وضع الضوابط التي تضمن حسن إدارة الشركات بما يحافظ على مصالح الأطراف ذات الصلة بالشركة ويحد من التصرفات غير السليمة للمديرين التنفيذيين فيها وتفعيل دور مجالس الإدارة بها بعدما أظهرت الوقائع والأحداث حالات عديدة من التلاعب فى اموال العديد من الشركات بواسطة الإدارة أدت إلى إفلاسها.
وهذا المعنى للحوكمة يتفق مع ما جاءت به الشريعة الإسلامية من الأصل وليس كحالة طارئة كما في الحوكمة, فالمال وملكيته يعتبر أحد المقومات الخمس التي يعتبر حفظها وحمايتها بتحقيق النفع منها ومنع الفساد عنها, أحد المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية, ومن هنا  وفى مجال الشركات وما يتعلق بها جاءت الأحكام الشرعية للشركات بجميع أنواعها وكذا عقد الوكالة لتنظيم علاقة الإدارة بالشركة والمساهمين.
ولاشك بأن الرقابة الشرعية  أضحت بالفعل فنًا علميًا له أصوله وآلياته وفنياته المتداخلة فيما بين مبادئ التدقيق المتعارف عليها والمتطلبات الشرعية، وهي في مُجمل مضامينها تنطلق بالضرورة من أصول القواعد والضوابط الشرعية. وكذلك تعتبر أساليب الرقابة الشرعية بمثابة المُحدِّد الرئيسي للإطار العام للخطط التنظيمية والآليات المُنتهجة في عملية التدقيق، وبما يُعزِّز من قدرة إدارة المؤسسة على اتخاذ القرارات الكفيلة بحماية أصولها ومجابهة مختلف المخاطر والتحديات.وعلى الرغم من أن مفهوم الرقابة في المؤسسات المالية بصفة عامة، سواء كانت تقليدية أو إسلامية، لا يتباين كثيرا في مبتغاه وأهدافه، إلاَّ أن مفهوم الرقابة الشرعية يتميز بخصوصية نابعة من نوعية المعاملات التي تمارسها المؤسسات المالية الإسلامية، والتي تختلف في طبيعتها ومعطياتها عن ما هو سائد في المؤسسات المصرفية التقليدية. ومما لاشك فيه أن تلك الطبيعة الخاصة للتمويل الإسلامي تطرح نوعية مختلفة من التحديات المرتبطة بضرورة وضع نظام رقابي قوي يأخذ بالاعتبار طبيعة المخاطر التي تواجهها مؤسسات التمويل الإسلامي، ولاسيما في النموذج المصرفي المزدوج الذي يجمع بين الخدمات المصرفية التقليدية وتلك الإسلامية، وبما يتطلب توفير الأطر التنظيمية المناسبة لطبيعة أنشطتها.
      وتوفر الحوكمة   للرقابة الشرعية  الأدوات التي تحتاجها لضمان الفعالية والمساءلة واتخاذ قرارات صائبة. فمتطلبات تعزيز الإبلاغ توجب وجود إجراءات محاسبية مطورة وأنظمة سيطرة داخلية قوية، وهذا بدوره، يزيد الشفافية وانتظام التقارير المالية، وتصبح أنشطة الرقابة الشرعية أكثر قابلية للمساءلة عن القرارات التي تتخذوها، وعن مستوى الأداء الذي ينتج عنها. فبهذا السبيل يمكن بسهولة تحديد مواطن ضعف الأداء والأنشطة التي تبدد الموارد في أنشطة غير مربحة، وبالتالي معالجتها.وكما تؤثر الرقابة الشرعية في آليات الحوكمة وإنفاذها، فإنها تتأثر هي أيضاً، بدورها بأدوات الحوكمة.
وتعمل حوكمة الرقابة الشرعية على وتحسين اختيار أعضاء هيئة الرقابة الشرعية ونوعيتها، والمساهمة في تطوير استراتيجيات واضحة للمؤسسات المالية الاسلامية  تقوم على الفاعلية والمهنية، ومن شأن ممارسات أدوات الحوكمة على أنشطة الرقابة الشرعية  أن تؤدي إلى تحسين الشفافية، والرقابة الداخلية، وانتظام التقارير المالية، فتقلص بذلك من الفساد وإساءة استغلال المنصب.
وينتج عن حوكمة الرقابة الشرعية داخل النظام المصرفي الإسلامي استقرار الاقتصاد من خلال رقابة مصرفية أفضل، وكذلك تحسين إدارة المخاطر، وتقليص تكاليف رأس المال، وهو ما من شأنه تحقيق النمو.
وهناك نوعان من المحركات للإصلاح من وراء تطبيق الحوكمة على أنشطة الرقابة الشرعية ، أولهما مرتبط بمواطن الفشل والانهيار، أما النوع الثاني فهو استباقي يرتبط ببحث المؤسسات المالية عن الاستثمار، والحاجة إلى تحسين التنافسية، واكتساب النفاذ إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
في ضوء ما سبق يري الباحث ضرورة الإشارة إلي النقاط التالية حول تطبيق الجوانب الفكرية للحوكمة على أنشطة الرقابة الشرعية:-
1.    بالنظر إلى مفاهيم ومبادئ الحوكمة نجد انها تهدف الى تحقيق مصالح الأفراد والمؤسسات والمجتمعات، وهذا من الأهداف التي وضعت من أجلها الشريعة الإسلامية.
2.    إن تطبيق مبادئ الحوكمة  على أنشطة الرقابة الشرعية سوف يؤدي الى زيادة ثقة العملاء الحاليين والمرتقبين ومختلف المستخدمين لها.
3.    إن الالتزام بتطبيق هذه الجوانب في أنشطة الرقابة الشرعية سيؤدي إلى تطوير أدائها والتغلب على مشاكلها المختلفة وزيادة قدرتها التنافسية والتشغيلية والمالية والإدارية وبالتالي الانعكاس الإيجابي على تحقيق أهدافها الدينية والدنيوية.  
4.    يؤدى تطبيق مبادئ الحوكمة على أنشطة الرقابة الشرعية الى سهولة الحصول على المعلومات وممارسة الرقابة على مختلف جوانب أداء المؤسسات المالية الاسلامية وزيادة الثقة فيها وتحقيق العدالة والشفافية ومحاربة الفساد وتحقيق التواصل مع الأطراف المختلفة ذات العلاقة بهذه المؤسسات.
ثانيا: الرقابة الشرعية في إطار عمل الحوكمة الشرعية:
الرقابة الشرعية هي عملية شاملة للمتابعة المستمرة للأداء في المؤسسة أثناء قيامها بتنفيذ الخطط الموضوعة . وشاملة كذلك لتقويم الأعمال ومقارنتها بالمعايير والأهداف الكمية والنوعية والتقديرية الموضوعة للمؤسسة وتنصب الرقابة على جميع عناصر المؤسسة وترافق العمل من بدايته لتجنب الأخطاء أو اكتشافها قبل وقوعها وهذه هى الوظيفة الوقائية للرقابة فضلا عن وظيفتها العلاجية.  ومفهوم الرقابة الشرعية يشمل هيئة الرقابة والمراجعة الشرعية.
وقد أولت الهيئات والمنظمات الإسلامية الدولية أهمية كبرى لموضوع الحوكمة، والذي يشمل حوكمة الهيئات الشرعية، ومن هذه الهيئات: 
1-  مجلس الخدمات المالية الإسلامية – ماليزيا.
2-  هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية – البحرين.
3- المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية – البحرين.
4- مركز إدارة السيولة للمؤسسات المالية الإسلامية – البحرين.
5-  الوكالة الإسلامية الدولية للتصنيف الائتماني – البحرين.
ففي العموم دعت الهيئات إلى الالتزام بمبادئ الحوكمة الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي (OECD)، ولجنة بازل حول تعزيز الحوكمة في المؤسسات المصرفية، ووضعت مجموعة من المبادئ التي لابد للمؤسسات المالية الإسلامية الالتزام بها؛ كأن تضع إطاراً لسياسة ضوابط الإدارة والتي تشمل ( مجلس الإدارة والهيئات المنبثقة عنه، الإدارة التنفيذية، هيئة الرقابة الشرعية، مراجعو الحسابات الداخليين والخارجيين). أيضاً إعداد التقارير المالية وغير المالية بما يتوافق مع المعايير الدولية المحاسبية، مع التأكد بمطابقتها للأحكام الشرعية. أيضاً وضع الضمانات الكافية للمحافظة على حقوق حسابات الاستثمار ومتابعتها والتحوط لما يمكن أن يحيطها من مخاطر. واتخاذ الإجراءات والآليات السليمة للحصول على الأحكام الشرعية من المختصين لكل ما يتعلق بأعمال هذه المصارف، والالتزام بأحكام الهيئات الشرعية، وضمان تنفيذها، مع السعي الدائم لتطوير أعضاء الهيئات الشرعية بالتدريب والتطوير المستمر لقدراتهم، مع قبول تنوع الآراء الفقهية. أيضاً من المبادئ المهمة والتي أولتها الهيئات الدولية الاهتمام كضوابط لحوكمة المؤسسات المالية الإسلامية، وجوب توفر قدر كبير من الشفافية للعملاء والجمهور، وتمكينه من الاطلاع على معاملاته وعلى الضوابط الشرعية المعتمدة لديها، وتوفير المعلومات بالقدر الكافي لأصحاب الاستثمار لديها.
ويمكن تعريف حوكمة هيئات الرقابة الشرعية بالتالي: "النظم التي تبين علاقة الهيئة الشرعية بالمؤسسة المالية (مجلس الإدارة، الهيئة العمومية للمؤسسة، والإدارة التنفيذية لها) من حيث أسس التعيين وضبط الفتوى ومدى التزام المؤسسة بالفتوى التي تصدرها الهيئة ومسؤولية الهيئة الشرعية عن سلامة تطبيق المؤسسة للفتوى والإجراءات اللازمة لسلامة التطبيق".
ويمكن أن تعمل أدوات الحوكمة على  تنظيم الرقابة الشرعية وتجانسها من خلال عدة مجالات منها: 
1-  اختيار وتعيين هيئات الرقابة الشرعية.
2-  استقلال الهيئة الشرعية: ويقصد بها مدى قدرة الهيئة الشرعية للمؤسسة على إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية وفق ما تقتضيه ضوابط الاجتهاد وشروط الإفتاء دون أن يكون هناك مؤثرات على أعضائها تولد تهمة التبعية أو المحاباة.
3-  السعي لتعيين هيئة رقابة شرعية مركزية في الدولة: يرى بعض المختصين بأن تعدد الهيئات الشرعية يؤدي إلى تضارب الفتوى ونحو البعض إلى التساهل في الفتوى، والأفضل أن تكون هناك هيئة شرعية موحدة مركزية لا تتبع لأي من المؤسسات المالية الإسلامية فتنظر في المسائل بحيادية واستقلالية تامة. ولربما كان من الأفضل بقاء الهيئات الشرعية في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية الأخرى، مع وجود هيئة رقابة شرعية مركزية يكون من مهمتها: الموافقة على تعيين الهيئات الشرعية الفرعية، الرجوع لها في حال الاختلاف والتوقف في المسائل، الرقابة على الهيئات الأخرى بالمراجعة لأحكامهم والتوجيه المستمر، النظر في المسائل الكبرى المتعلقة بالبنك المركزي والجهات المالية الرسمية للدولة.
ثالثا: نحو إطار عمل لحوكمة الرقابة الشرعية في  المؤسسات المالية الإسلامية:
توجد في الوقت الحالي عدة نماذج مختلفة خاصة بعمل هيئات الرقابة الشرعية، وممارسة الأنشطة الاستشارية الشرعية يتم تطبيقها في مناطق ذات سلطات مختلفة، وينطبق هذا الوضع أيضاً على العمليات والإجراءات التي تم تبنيها في مجال الحوكمة الشرعية. ومن الملاحظ أن النهج الذي اتبعته السلطات المعنية في البلدان المختلفة فيما يتعلق بهذه القضية اتسم بالتنوع والاختلاف، فقد قامت بعض السلطات بإصدار تعليمات وإرشادات مركزية واجبة التنفيذ، بينما جعلت بعض السلطات الأخرى تطبيق هذه الإرشادات أمراً طوعياً، واختارت سلطات أخرى تبني منهج يجمع ما بين الإجبار والتخيير. وبغض النظر عن المنهج المتبع، فالجميع متفقون على وجود حاجة ماسة إلى إرشادات تتعلق بأفضل الممارسات الخاصة بالحوكمة الشرعية، وذلك من أجل تحسين الخدمات الاستشارية الشرعية وترسيخ مكانتها.
وقد قام مجلس الخدمات المالية الإسلامية بإصدار المبادئ الإرشادية لنظم الحوكمة الشرعية للمؤسسات التي تقدم خدمات مالية إسلامية. تُعد هذه المبادئ الإرشادية بمثابة إطار عملي لأفضل الممارسات التي يجب على هيئات الرقابة الشرعية القيام بها. وبعبارة أخرى فإن هذه المبادئ الإرشادية تقدم إرشادات لمنهج شامل في الحوكمة الشرعية، وتقوم بغرس عناصر الكفاءة والاستقلالية والسرية والتناسق في ممارسات هيئات الرقابة الشرعية.وتُوصي المبادئ الإرشادية لنظم الحوكمة الشرعية للمؤسسات التي تقدم خدمات مالية إسلامية بضرورة ضمان المؤسسة المالية الإسلامية وجود نظام حوكمة شرعية فاعل لديها، وأن يكون الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية مسؤولية مشتركة، وليست ملقاة على عاتق هيئة الرقابة الشرعية فقط. كما أكدت المبادئ الإرشادية على أن تتمتع هيئة الرقابة الشرعية بتفويض واضح ومسؤولية، كما يجب أن تتوافر لدى أعضاء هيئة الرقابة الشرعية متطلبات معيار الكفاءة والملاءمة. وفيما يتعلق بمهام هيئة الرقابة الشرعية.
كما قام المصرف المركزي الماليزي بوصفه الجهة المنظمة للجوانب المالية بإعداد إطار عمل قانوني الغرض منه التأكد من أن العمليات والأنشطة التي تضطلع بها المؤسسات المالية الإسلامية متوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية في جميع الأوقات. وقد تم إصدار إطار العمل القانوني بشكل رسمي في شهر أكتوبر من عام 2010م تحت مسمى "إطار عمل الحوكمة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية"، وأصبح ساري المفعول منذ الأول من يناير لعام 2011م. ويهدف هذا الإطار إلى تحقيق هدف التوافق مع الشريعة الإسلامية من خلال تأسيس بنية تحتية للحوكمة الشرعية تتكون من مستويين رئيسين، أولهما يتمثل في المجلس الاستشاري الشرعي التابع للمصرف المركزي الماليزي، وثانيهما يتمثل في هيئات الرقابة الشرعية لدى كل مؤسسة مالية إسلامية.   ويتم هنا التركيز على عرض هذا الاطار باعتباره ركيزة اساسية نحو تأسيس بنية تحتية لحوكمة أنشطة الرقابة الشرعية. فقد هدف المصرف المركزي الماليزي بإعداد إطار عمل الحوكمة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية الى تحقيق مجموعة من الأهداف تتمثل في تعزيز دور المجلس الإداري وهيئة الرقابة الشرعية والفريق الإداري للمؤسسة فيما يتعلق بالقضايا الشرعية، ويشمل ذلك تحسين الدور الذي تمارسه الأجهزة المفصلية التي تقع على عاتقها مسؤولية تنفيذ الواجبات المتعلقة بالالتزام الشرعي وممارسة الأنشطة البحثية من أجل خلق بيئة تشغيلية ملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية. 
وبناءً عليه فقد تم تصميم إطار عمل الحوكمة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية كي يحقق الأهداف الآتية: 
1.    تحديد متطلبات المصرف المركزي الماليزي فيما يخص هياكل الحوكمة الشرعية والعمليات والترتيبات الواجب توفرها في المؤسسة المالية الإسلامية، من أجل ضمان توافق جميع عملياتها وأنشطتها المالية مع أحكام الشريعة الإسلامية.
2.    توفير دليل إرشادي شامل لمجلس الإدارة وهيئة الرقابة الشرعية وإدارة المؤسسة المالية الإسلامية برمتها حول كيفية تأدية واجباتها المتعلقة بالقضايا الشرعية.
3.    توصيف الوظائف المتعلقة بالمراجعة الشرعية والتدقيق الشرعي وإدارة المخاطر الشرعية والبحث الشرعي.
ويتكون إطار عمل الحوكمة الشرعية من ستة أقسام أساسية، يتناول أولها المتطلبات العامة لإطار العمل، حيث يصف المهام الأساسية الملقاة على عاتق المؤسسة المالية الإسلامية، فضلاً عن الأجهزة الرئيسة التي يجب عليها تطبيق هذه المهام. أما بالنسبة للمهام المنوطة بالمؤسسة المالية الإسلامية، فتتمثل في إنشاء إطار عمل ملائم ومتين للحوكمة الشرعية، يركز على تبيان الوظائف التي تمارسها الأجهزة الرئيسة داخل المؤسسة، لضمان تطبيق فاعل لإطار عمل الحوكمة الشرعية. كما بين القسم الأول أن المؤسسة المالية الإسلامية مسؤولة عن التأكد من أن جميع غاياتها وعملياتها متوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية في جميع الأوقات، فضلاً عن إنشاء آلية شاملة لضبط الالتزام الشرعي تغطي جميع الجوانب المتعلقة بالعمليات المالية للمؤسسة، وذلك لضمان التزام جميع أنشطتها بأحكام الشريعة الإسلامية.وفيما يتعلق بالأجهزة الرئيسة داخل المؤسسة المالية الإسلامية، فقد نوه القسم الأول إلى أن وجود إطار عمل حوكمة شرعية ملائم ومتين يعد انعكاساً لوجود مجلس إدارة وطاقم إداري فاعل ومسؤول، فضلاً عن تواجد هيئة رقابة شرعية مستقلة تتصف بالكفاءة ومُعرضة للمساءلة، مُدعمة بطاقم بحثي شرعي متمكن، وخاضعة للمراقبة من خلال عمليات المراجعة والتدقيق الشرعي وإدارة المخاطر الشرعية. وفيما يلي النموذج الذي قام على أساسه إطار عمل الحوكمة الشرعية.
وبناءً على نموذج إطار عمل الحوكمة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية في ماليزيا ، فإن المتطلبات المذكورة في إطار عمل الحوكمة الشرعية تُلزِم المؤسسة المالية الإسلامية بضرورة اشتمالها على الآتي:
1.    يُعد مجلس الإدارة مسؤولاً عن إنشاء هيكل حوكمة شرعية ملائم للمؤسسة المالية الإسلامية، ويتوجب على مجلس الإدارة فهم المخاطر الشرعية ذات الصلة بالمالية الإسلامية والقضايا المتعلقة بتلك المخاطر، فضلاً عن تداعياتها على المؤسسة.
2.    يتوجب على المؤسسة المالية الإسلامية أن يكون لديها هيئة رقابة شرعية تتكون من أشخاص مؤهلين من الناحية الشرعية، ولديهم القدرة على مناقشة القضايا المتعلقة بالمالية الإسلامية، وتقديم آراء شرعية صحيحة.
3.    يُعد الطاقم الإداري مسؤولاً عن تقديم الموارد الكافية والدعم البشري اللازم إلى كل جهة ذات علاقة بتطبيق إطار عمل الحوكمة الشرعية، وذلك من أجل ضمان تنفيذ العمليات المالية للمؤسسة وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية. 
4.    يتوجب على المؤسسة المالية الإسلامية أن تقوم بمراجعة شرعية داخلية مستمرة للعمليات والمخرجات، فضلاً عن التأكد من توافق هذه العمليات والمحصلات مع المتطلبات الشرعية.
5.    يتوجب على المؤسسة المالية الإسلامية أن تقوم بتدقيق شرعي منتظم بمعدل مرة واحدة سنوياً للتثبت من امتثال الوظائف الرئيسة والعمليات المالية التي تمارسها المؤسسة المالية الإسلامية لأحكام الشريعة الإسلامية.
6.    يتوجب على المؤسسة المالية الإسلامية أن يكون لديها نظام لإدارة المخاطر الشرعية، وذلك لغرض تحديد جميع المخاطر المحتملة المتعلقة بعدم الالتزام بالشريعة، فضلاً عن تبيان التدابير التصحيحية التي يجب اتباعها للحد أو التقليل من تلك المخاطر.
7.    يتوجب على المؤسسة المالية الإسلامية أن يكون لديها فريق بحث شرعي داخلي للقيام بأنشطة بحثية شرعية.
8.    يتوجب على المؤسسة المالية الإسلامية أن تقوم بإصدار القرارات الشرعية ونشرها إلى جميع أصحاب المصالح ذوي العلاقة.
أما القسم الثاني فقد خُصِص للتعرض للقضايا المتعلقة بالرقابة والمساءلة والمسؤولية الخاصة بكل جهة تمارس دوراً في تطبيق إطار عمل الحوكمة الشرعية، وتتمثل مسؤوليات ومهام هيئة الرقابة الشرعية، في الآتي:
1.    المسؤولية والمساءلة: يتوجب على أعضاء هيئة الرقابة الشرعية أن يعوا مسؤوليتهم الكاملة عن كافة القرارات والآراء الشرعية الصادرة عنهم خلال تأديتهم لمهامهم ومسؤولياتهم بوصفهم أعضاءً  في هيئة الرقابة الشرعية.
2.    تقديم المشورة إلى مجلس الإدارة والمؤسسة المالية الإسلامية: يتوجب على هيئة الرقابة الشرعية تقديم المشورة والنصح لمجلس الإدارة والمؤسسة المالية الإسلامية فيما يخص القضايا الشرعية، وذلك لضمان التزام المؤسسة المالية الإسلامية بمبادئ الشريعة الإسلامية في جميع الأوقات.
3.    المصادقة على السياسات والإجراءات الشرعية: يتوجب على هيئة الرقابة الشرعية المصادقة على السياسات والإجراءات الشرعية المُعدة من قبل المؤسسة المالية الإسلامية، وذلك لضمان خلو محتوياتها من أي عناصر غير متوافقة مع الشريعة الإسلامية.
4.    المصادقة والتثبت من الوثائق ذات الصلة: كي يتم التأكد من التزام منتجات المؤسسة المالية الإسلامية بمبادئ الشريعة الإسلامية، يتعين على هيئة الرقابة الشرعية الموافقة على الآتي:
‌أ.    الشروط والأحكام الواردة في الاستمارات والعقود والاتفاقيات أو أي وثائق قانونية أخرى تستخدم في تنفيذ المعاملات المالية.
‌ب.    الدليل الإرشادي للمنتج، والإعلانات التسويقية، والرسومات الإيضاحية، والمنشورات المستخدمة في وصف المنتج.
5.    تقويم عمل الأطراف المسؤولة عن المراجعة الشرعية والتدقيق الشرعي: يتعين على هيئة الرقابة الشرعية أن تقوم بتقويم عمل الأطراف المسؤولة عن المراجعة الشرعية والتدقيق الشرعي، وذلك لضمان الالتزام بالشريعة الإسلامية، حيث تُعد هذه المهمة جزءاً من المهمة الأساسية لهيئة الرقابة الشرعية التي تتمثل في تقديم تقويم عن مدى الالتزام الشرعي ومعلومات تأكيدية بشأن ذلك في التقرير السنوي للمؤسسة المالية الإسلامية.
6.    مساعدة الأطراف ذات العلاقة فيما يتعلق بالقضايا الشرعية: قد تحتاج الأطراف ذات العلاقة بالمؤسسة المالية الإسلامية مثل المستشار القانوني أو المدقق أو المستشار إلى طلب النصيحة من هيئة الرقابة الشرعية حول القضايا الشرعية، وبناءً عليه يتوجب على هيئة الرقابة الشرعية أن تقدم المساعدة المطلوبة إلى الطرف المحتاج لها.
7.    تقديم النصح حول القضايا التي يتعين إحالتها إلى المجلس الاستشاري الشرعي التابع للمصرف المركزي الماليزي: بإمكان هيئة الرقابة الشرعية أن تنصح المؤسسة المالية الإسلامية باستشارة المجلس الاستشاري الشرعي عن طريق إحالة القضايا الشرعية التي لم تتمكن من حلها إليه.
8.    تقديم آراء شرعية مكتوبة: يتعين على هيئة الرقابة الشرعية تقديم آراء شرعية مكتوبة في الحالات التي تستدعي استشارة المؤسسة المالية الإسلامية للمجلس الاستشاري الشرعي أو عندما تقوم المؤسسة المالية الإسلامية بتقديم طلب للمصرف المركزي الماليزي للحصول على موافقة بشأن منتج جديد.

أما القسم الثالث فقد تناول قضية استقلالية هيئة الرقابة الشرعية، وأهمية تحقق هذه الاستقلالية من أجل الوصول إلى قرارات شرعية سليمة، مع التركيز على دور مجلس الإدارة في التأكيد على استقلالية هيئة الرقابة الشرعية، وبناءً عليه فإن هيئة الرقابة الشرعية مخولة بإعلام مجلس الإدارة عن أي أنشطة غير متوافقة مع الشريعة الإسلامية يتم ممارستها من قبل المؤسسة المالية الإسلامية، كما يجب عليها اقتراح التدابير الملائمة لمعالجة الوضع. أما إذا لاحظت هيئة الرقابة الشرعية عدم معالجة الأنشطة غير المتوافقة مع الشريعة الإسلامية بطريقة فعالة وكافية، أو عدم اتخاذ أي تدابير تصحيحية من قبل المؤسسة المالية الإسلامية، فيتعين عليها إخبار المصرف المركزي الماليزي بذلك. كما يشير القسم الثالث إلى عدم إمكانية إنهاء عمل أعضاء هيئة الرقابة الشرعية بكل بساطة، وذلك لأن كافة القضايا المتعلقة بتعيين أعضاء الهيئة وإعادة تعيينهم واستقالتهم والاستغناء عنهم، لا تتم إلا عن طريق مجلس الإدارة شريطة موافقة المصرف المركزي الماليزي والمجلس الاستشاري الشرعي التابع له.     
وتناول القسم الرابع متطلبات الكفاءة الواجب توافرها في كل من له صلة بإطار عمل الحوكمة الشرعية، وذلك لضمان قدرتهم على تطبيق الحوكمة الشرعية بطريقة فعالة وملائمة، وبناءً عليه يتعين على مجلس الإدارة والطاقم الإداري أن يكون لديهم فهم معقول بمبادئ الشريعة الإسلامية، وتطبيقاتها المتعددة في المالية الإسلامية. أما بالنسبة لأعضاء هيئة الرقابة الشرعية، فيجب أن يكون لديهم معرفة كافية بالنظام المالي على وجه العموم، والمالية الإسلامية على وجه الخصوص، وذلك كي يتمكنوا من فهم القضايا الشرعية التي تُعرض عليهم. كما أشار القسم الرابع إلى ضرورة أن يقوم أعضاء هيئة الرقابة الشرعية بتطوير قدراتهم المعرفية ذات الصلة بالشريعة والمالية الإسلامية، فضلاً عن الحرص على حضور البرامج التدريبية ذات الصلة.
أما القسم الخامس فقد تعرض لعنصري السرية والثبات، من خلال التركيز على أهمية المحافظة على سرية المعلومات، وتحسين مستوى الثبات في عملية صناعة القرارات التي تتخذها هيئة الرقابة الشرعية.ويُقصد بالمعلومات السرية، المعلومات التي حصل عليها أعضاء هيئة الرقابة الشرعية، وتُعد غير متاحة للعامة بطبيعتها، أو لم يصدر ترخيص بإتاحتها للعامة. نواحي كثيرة في تعاملات المؤسسة المالية الإسلامية ،مثل :معلومات حول تطوير منتجات وخدمات جديدة، القرارات الصادرة عن مجلس الإدارة أو الطاقم الإداري، المذكرات أو التقارير الداخلية التي تم إعدادها بشأن قضايا تم عرضها أو سيتم عرضها على هيئة الرقابة الشرعية، محتوى المحادثات التي تمت بين أعضاء هيئة الرقابة الشرعية فيما يتعلق بالقضايا التي تم تباحثها خلال الاجتماعات، الوضع الحالي لأي معاملة مالية أو إجراء لم يتم الإعلان عنه، الآراء الصادرة عن كافة الأطراف المشاركة في النقاشات التي دارت حول قضية معينة تم التباحث حولها من قبل هيئة الرقابة الشرعية، أي أمر أشارت المؤسسة المالية الإسلامية إلى عدم الإفصاح عنه، مثل السياسات والإجراءات الداخلية.  
كما دعى القسم الخامس إلى ضرورة المحافظة على المبادئ المرتبطة بالأخلاق المهنية، وإصدار الأحكام، والثبات، وذلك لضمان الالتزام الشرعي. وتجدر الإشارة إلى أنه في حالة حدوث خلافات أو دعاوى قضائية مرتبطة بالمعاملات المالية التي تجريها المؤسسة المالية الإسلامية أو أي قضايا شرعية أخرى ناتجة عن العمليات المالية للمؤسسة، فعلى كل من المحكمة والمُحكِم أن يأخذا بعين الاعتبار القرارات الصادرة عن المجلس الاستشاري الشرعي، أو أن يقوما بإحالة القضايا التي ثارت حولها الخلافات إلى المجلس الاستشاري الشرعي من أجل الحصول على قرار بشأنها، وفي حالة إصدار المجلس الاستشاري الشرعي لأي قرارات حول القضايا المحالة إليه، فإن هذه القرارات تُعد ملزمة للمؤسسة المالية الإسلامية والمحكمة والمُحكِم. أما في حالة اختلاف قرار هيئة الرقابة الشرعية عن قرار المجلس الاستشاري الشرعي، فإن قرار الأخير هو المعتمد، وعلى الرغم من ذلك فبإمكان هيئة الرقابة الشرعية اعتماد قرار شرعي أكثر صرامة.  
أما القسم السادس والأخير فقد غطى الوظائف المتعلقة بالالتزام الشرعي والبحث الشرعي، حيث تناول المهام المنوطة بالأجهزة المسؤولة عن المراجعة الشرعية الداخلية والتدقيق الشرعي وإدارة المخاطر الشرعية والبحث الشرعي. وقد عُرِفت المراجعة الشرعية الداخلية في إطار عمل الحوكمة الشرعية بأنها التقويم المنتظم لأنشطة المؤسسة المالية الإسلامية وعملياتها، ويقوم بهذا التقويم موظفون شرعيون أكفاء وذلك لضمان توافق الأنشطة والعمليات التي تمارسها المؤسسة المالية الإسلامية مع أحكام الشريعة الإسلامية، أما التدقيق الشرعي فيُقصد به التقويم الدوري الذي يتم القيام به بين مدة وأخرى من أجل تقديم تقويم مستقل يهدف إلى تحسين مستوى الالتزام فيما يتعلق بالعمليات المالية للمؤسسة المالية الإسلامية، فضلاً عن ضمان وجود نظام ضبط داخلي للالتزام الشرعي يتسم بالفاعلية. وبالنسبة لمفهوم إدارة المخاطر الشرعية فيراد به تعيين المخاطر المتعلقة بعدم الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، وقياسها ومراقبتها والتحكم بها. أما وظيفة البحث الشرعي فتتطلب وجود وحدة داخلية تتكون من موظفين شرعيين أكفاء يقومون بممارسة أعمال بحثية وتحديد القضايا الشرعية الواجب عرضها على هيئة الرقابة الشرعية، فضلاً عن اضطلاعهم بالمهام الإدارية والسكرتارية المتعلقة بهيئة الرقابة الشرعية.
 أخيرا يجدر التنبيه الى أن هدف الباحث من عرض إطار عمل الحوكمة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية في ماليزيا بهذه الطريقة هو دراسة امكانية اعتماد هذا الاطار وتطويره ليصبح اطارا موحدا للحوكمة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية عموما.

 النتائج والتوصيات
توصل الباحث الى :
1.    حوكمة أنشطة الرقابة الشرعية هو نظام لتنظيم وتشغيل والسيطرة على أنشطة الرقابة الشرعية  بهدف تحقيق الأهداف الاستراتيجية طويلة الأجل لإرضاء المساهمين والدائنين والعاملين والعملاء والموردين، والامتثال للمتطلبات القانونية والتنظيمية، فضلا عن الوفاء بالمتطلبات البيئية المحلية واحتياجات المجتمع. وأنها السياسات الداخلية التي تشمل النظام والعمليات والأشخاص، والتي تخدم احتياجات المساهمين وأصحاب المصلحة الآخرين، من خلال توجيه ومراقبة أنشطة الرقابة الشرعية لتحقيق الموضوعية والمساءلة والنزاهة والشفافية.
2.    العناصر الرئيسية لحوكمة سليمة لأنشطة الرقابة الشرعية هي:
• الشفافية: جعل المعلومات على نطاق واسع معروفة و/ أو متاحة.
• المسئولية: تبرير الإجراءات و/ أو القرارات.
• العدالة: القيام بالأعمال بصورة عادلة ومحايدة.
• النزاهة: أن تكون صادقة وتراعي الجانب الأخلاقي.

3.    يمكن ان تقوم اركان استراتيجية حوكمة الرقابة الشرعية على ما يلى
اولا: التقييم الأساسي:
أ. تقييم فشل حوكمة الرقابة الشرعية ، والتحديات، والفرص،.. إلخ.
ب. تقييم معايير الدولة مقارنةً بأفضل الممارسات الدولية.
ج. مبادئ/ الخطوط الإرشادية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والواقع المحلي.
ثانيا: الانتشار والتعليم:
أ. تحديد الأطراف المعنية بحوكمة الرقابة الشرعية .
ب. بناء الوعي: قادة الأعمال، صناع السياسة، المجتمع.
ج. انشاء طلبا جماهيري أوسع على الإصلاح.
د. حملات تعليم عامة.
ثالثا: تطوير وتأسس آليات حوكمة الرقابة الشرعية:
أ. تطوير لوائح الحوكمة وآليات رقابة داخلية.
ب. تشجيع أنشطة الرقابة الشرعية.
ج. تحسين الأطر التنظيمية والتنفيذية.
د. انشاء شبكات حوكمة رشيدة تشتمل على هيئات تنظيمية، وقادة أعمال، ومنظمات، وغيرها من جماعات المجتمع المدني.
رابعا: بناء القدرات، والتطبيق، والمتابعة:
أ. برامج تدريب على حوكمة الرقابة الشرعية.
ب. تأسيس معاهد لإعداد القائمين على أنشطة الرقابة الشرعية.
ج. إنشاء نظم تقييم حوكمة الرقابة الشرعية.
د. تدريب اعضاء هيئات الرقابة الشرعية ومساعديهم.
ه. تطبيق قانوني ومؤسسي أوسع.
التوصيات:
لتفعيل دور أدوات الحوكمة في  تنظيم الرقابة الشرعية و تطويرها وتجانسها يوصى الباحث بما يلى:-

1.    التواصل مع أصحاب المصالح في المالية الإسلامية من أجل تعميق فهمهم بأدوات الحوكمة والسعي الدؤوب للإسهام بأكبر شكل ممكن في تطبيقها في صناعة المالية الإسلامية، وتشجيع المبادرات الرامية إلى  بناء نماذج للحوكمة الشرعية ،وتكوين علماء جدد في هذا المجال وتعليمهم وتدريبهم.
2.    الدعوة لعقد مؤتمر عالمي لصياغة إطار عمل واضح لحوكمة أنشطة الرقابة الشرعية والعمل الاستشاري الشرعي من أجل تنظيمها وتجانسها اضافة الى تحقيق عنصري الوضوح والثبات في أداء هيئات الرقابة الشرعية والخدمات التي تقوم بتقديمها.
3.    اقتراح تأسيس هيئة مهنية للمستشارين الشرعيين، تُلقى على عاتقها مسؤولية تنظيم برنامج للتطوير المهني المستمر خاص بالمستشارين الشرعيين، وتحديد المؤهلات التي يجب عليهم الحصول عليها، والإشراف على سلوكياتهم. كما يمكن أن تُعطى هذه الهيئة سلطة إصدار شهادة مهنية للمستشارين الشرعيين، لا يستطيعون بدونها ممارسة عملهم، ولا يتم تجديد هذه الشهادة إلا بعد القيام بمراجعة وفحص دوري، لضمان امتلاك المستشار الشرعي كافة المؤهلات المهنية والأكاديمية الضرورية، وتحليه بالكفاءة والسيرة الحسنة. ومن الممكن أن تصبح مثل هذه الهيئة بمثابة منتدى حواري يتم من خلاله تبادل الآراء ومناقشتها بين علماء الشريعة، كما يمكن أن تكون وسيلة فاعلة في السعي إلى إحداث تجانس في الفتاوى والممارسات الخاصة بهيئات الرقابة الشرعية.
4.    توفير دليل إرشادي شامل لمجلس الإدارة وهيئة الرقابة الشرعية وإدارة المؤسسة المالية الإسلامية برمتها حول كيفية تأدية واجباتها المتعلقة بالقضايا الشرعية.وتوصيف الوظائف المتعلقة بالمراجعة الشرعية والتدقيق الشرعي وإدارة المخاطر الشرعية والبحث الشرعي.
5.    دراسة امكانية اعتماد إطار عمل الحوكمة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية في ماليزيا وتطويره ليصبح اطارا موحدا للحوكمة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية عموما.

Tuesday, February 4, 2014

التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع 2013/4 التعليم والتعلّم: تحقيق الجودة للجميع



مع بقاء أقل من عامين على حلول الموعد النهائي لتحقيق أهداف التعليم للجميع، يتضح أنه على الرغم من التقدم الذي تم إحرازه على مدى العقد الماضي، لن يتحقق أي هدف من الأهداف المنشودة على الصعيد العالمي بحلول عام 2015  . فإن التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع لهذا العام يؤكد بشدة على حقيقة أن الأشخاص المنتمين إلى الفئات الأكثر تهميشاً حُرموا من الفرص المتاحة للتعليم على مدى العقد الماضي. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعد لتسريع وتيرة التقدم في المراحل النهائية. ومن الجوهري أن يتم وضع إطار عالمي متين للتعليم لفترة ما بعد عام 2015 من أجل إنجاز ما لم يتم إنجازه من أعمال مع التصدي في الوقت ذاته للتحديات الجديدة. ولن تتحقق أهداف التعليم لفترة ما بعد عام2015 إلا إذا ترافقت مع أهداف واضحة وقابلة للقياس ومقترنة بمؤشرات رصد بحيث لا يبقى مجال لإهمال أي فرد، وإذا وضعت الحكومات والجهات المانحة للمعونات أهدافاً محددة لتمويل التعليم.
وينقسم التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع لفترة 2013 / 2014 إلى ثلاثة أجزاء. يعرض الجزء الأول منه تحديثاً للتقدم المحرز في صدد تحقيق الأهداف الستة الخاصة بالتعليم للجميع. ويقدم الجزء الثاني دليلاً واضحاً على أن التقدم في مجال التعليم هو أمر حيوي لتحقيق أهداف التنمية بعد عام2015  .أما الجزء الثالث فيسلط الضوء على أهمية تنفيذ سياسات قوية ترمي إلى إطلاق طاقات المعلمين بغية دعمهم في تجاوز أزمة التعلّم العالمية.
يكشف الإصدار الحادي عشر للتقرير العالمي لرصد التعليم للجميع المعنون هذه السنة" التعليموالتعلّم: تحقيق الجودةللجميع"عن أن أزمة التعلّم العالمية تُكلّف الحكومات مبلغاً قدره129 مليار دولار سنوياً. ويتم هدر عشرة في المائة من الإنفاق العالمي على التعليم الابتدائي في إطار التعليم ذي النوعية السيئة الذي يفشل في ضمان استفادة الأطفال من عملية التعلُّم. ويؤدي هذا الوضع إلى جعل ربع الشبان في البلدان الفقيرة غير مؤهلين لقراءة جملة واحدة. ويَخلص التقرير إلى أن المعلمين الجيّدين هم الذين يُمثّلون السبيل إلى تحقيق التحسن.
ويُحذّر التقرير من أنه إذا لم يجرِ استقطاب أعداد كافية من المعلمين و تدريبهم تدريباً مناسباً، فإن أزمة التعلّم ستستمر لعدة أجيال وسيكون ضررها أشد على المحرومين.
ولكي يتسنى إنهاء أزمة التعلم، يتعين على كل البلدان، الغنية منها والفقيرة، أن تضمن انتفاع جميع الأطفال بمعلمين مدربين تدريباً جيداً ومتحمسين للعمل. وتستند الاستراتيجيات العشر المبينة هنا إلى الأدلة المتمثلة في السياسات والبرامج والاستراتيجيات التي ثبت نجاحها في عدد كبير من البلدان ومن البيئات التعليمية. ومن خلال تنفيذ هذه الإصلاحات ، تضمن البلدان لجميع الأطفال والشباب، ولا سيما المحرومون منهم، تلقّي التعليم الجيد الذي يحتاجون إليه لتحقيق ما لديهم من طاقات وتولى  زمام حياتهم.
إن هذا العدد من التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع يقدم عرضاً مستوفىً أتى في وقته عن التقدم الذي أحرزته البلدان المختلفة نحو تحقيق الأهداف العالمية في مجال التعليم التي اعتُمدت عام 2000  ,كذلك يقدم التقرير حججاً قوية لوضع التعليم في صلب خطة التنمية العالمية لما بعد 2015   . وكان التقرير في عام2008 قد طرح التساؤل هل سننجح؟  أما وأنه لم يبقَ إلا عامان على 2015 ، فإن تقرير هذا العام يجعل من الجلي أن الإجابة بالنفي.
فلا يزال 57 مليون طفل يفتقرون إلى التعلم، لأنهم ببساطة ليسوا في المدارس. إن الانتفاع بالتعليم ليس الأزمة الوحيدة، بل إن تدني مستواه يعوق تعلم حتى أولئك الذين ينجحون في الالتحاق بالمدارس. فثلث الأطفال في سن التعليم الابتدائي لا يتعلمون الأساسيات، سواء التحقوا بالمدارس أو لم يلتحقوا. ويناشد تقرير هذا العام الحكومات مضاعفة جهودها لتوفير التعلم لكل الذين يواجهون العوائق - سواء بسبب الفقر أو الجنس أو مكان عيشهم أو أي عامل آخر.
ويجب على الحكومات أن تكثف جهودها لتوظيف 1.6 مليون معلم إضافي من أجل تعميم التعليم الابتدائي بحلول 2015 .ويحدد التقرير أربع استراتيجيات لتوفير أفضل المعلمين من أجل تزويد الأطفال بتعليم عالي الجودة. أولاها، يجب اختيار المعلمين المناسبين بحيث يعكسون تنوع الطلاب الذين سيدرسون على يديهم. وثانيها، يجب تدريب المعلمين على مساندة أضعف المتعلمين، بدءاً من المراحل المبكرة. والاستراتيجية الثالثة تهدف إلى القضاء على أشكال عدم المساواة في التعلم من خلال توزيع أفضل المعلمين على الأنحاء التي تشكل التحديات الأكبر في البلد المعني. وأخيراً، يجب على الحكومات تزويد المعلمين بالحزمة المناسبة من الحوافز لتشجيعهم على الاستمرار في المهنة وحرصاً على أن يتعلم الأطفال جميعهم، بصرف النظر عن ظروفهم.
ولكن المعلمين لا ينبغي أن يضطلعوا بالمسؤولية بل لابد من أن توجد مناهج مصممة جيداً واستراتيجيات للتقييم لتحسين مستوى التعليم والتعلم.
وهذه التغييرات في السياسات لها كلفتها. ولذا فإنه من الضروري أن نشهد تغيراً كبيراً في التمويل.فالتعليم الأساسي في الوقت الحاضر ينقصه التمويل بما قدره 26 مليار دولار أمريكي في السنة، بينما يتواصل انخفاض المعونات. وفي هذه المرحلة، لا يجوز ولا يحق للحكومات أن تخفّض الاستثمار في التعليم، كما ينبغي ألا تتراجع الجهات المانحة عن تمويل الوعود التي قطعتها على نفسها. وهو ما يقتضي استكشاف سبل جديدة لتمويل الاحتياجات العاجلة.
و يخلف التعليم ذو النوعية السيئة إرثاً من الأمية أكثر انتشاراً مما كان يُعتقد في السابق. وهناك ما يقارب 175مليون شاب من شبان البلدان الفقيرة أي ما يعادل نحو ربع عدد الشبان لا يتمكنون من قراءة جملة بأكملها أو جزء منها، وتشمل هذه الظاهرة ثلث عدد الفتيات في جنوب وغرب آسيا. ووفقاً للاتجاهات الراهنة،تشير التوقعات الواردة في التقرير إلى أنه يتعيّن الانتظار حتى عام 2072 ليتسنى لجميع الشابات الأشد فقراً في البلدان النامية التمكّن من القراءة والكتابة.
وفي ثلث البلدان التي تناولها التقرير، يلاحَظ أن أقل من ثلاثة أرباع المعلمين في المدارس الابتدائية القائمين على رأس عملهم يتم تدريبهم وفقاً للمعايير الوطنية. وفي غرب أفريقيا، حيث يتعلم عدد ضئيل من الأطفال الأساسيات، يشكل المعلمون الذين يعملون بموجب عقود مؤقتة وبأجور منخفضة ويحظون بالقليل من التدريب الرسمي أكثر من نصف القوة العاملة التدريسية.
ويورد التقرير أرقاماً تبين أن تكلفة عدم تمكُّن 250 مليون طفل في العالم أجمع من تعلُّم الأساسيات يؤدي إلى خسارة تُقدَّ ر بمبلغ 129 مليار دولار أمريكي. ويخسر ما مجموعه 37 بلداً ما لا يقل عن نصف المبلغ الذي يُنفَق على التعليم الابتدائي من جراء عدم تعلُّم الأطفال. و على النقيض من ذلك، يبين التقرير أن ضمان المساواة في توفير التعليم الجيد للجميع يمكن أن يولد منافع اقتصادية ضخمة تتيح زيادة الناتج المحلي الإجمالي للفرد في البلد بنسبة 23 في المائة على مدى 40 عاماً.
و حتى في البلدان ذات الدخل المرتفع ، تخفق نظم التعليم في تحقيق الجدوى لدى العديد من الأقليات. ففي نيوزيلندا، بلغ جميع الطلاب المنتمين إلى الأسر الغنية تقريباً المستويات الدنيا المطلوبة في الصفين الرابع والثامن، أما في الأوساط الفقيرة فلم يبلغ تلك المستويات سوى ثلثي الطلاب. كما أن المهاجرين في البلدان الغنية يعدّون أيضاً من الفئات المهملة: ففي فرنسا، على سبيل المثال، بلغ أقل من60 في المائة من المهاجرين الحد الأدنى المطلوب في القراءة.
ولتفادي إخفاق التعليم لدى جيل آخر من أجيال الأطفال بسبب نقص الموارد بعد عام 2015 ، يتعين على الحكومات الوطنية والجهات المانحة للمعونة التي تمول التعليم أن تتحمل مسؤولية
التزاماتها بتقديم الموارد اللازمة لتحقيق أهداف التعليم. واستناداً إلى التحليلات التي أدرجت في التقارير العالمية لرصد التعليم للجميع خلال السنوات الماضية، يقترح فريق التقرير وضع هدف يتمثل في أن تخصص الحكومات الوطنية ما لا يقل عن %6 من ناتجها القومي الإجمالي للتعليم. كما أن الأهداف المحددة للحكومات وللجهات المانحة للمعونة ينبغي أن تتضمن تعهدات بأن تنفق ما لا يقل عن20 % من ميزانياتها على التعليم. وإن وضع هذه الأهداف وضمان التزام الحكومات والجهات المانحة للمعونة بها سيسهمان إسهاماً كبيراً في توفير فرص التعليم للأطفال والشباب في المستقبل.
ويرى التقريرأنه يتعين على واضعي السياسات إتاحة كل الفرص الممكنة للمعلمين من أجل تسخير دوافعهم وطاقاتهم ومعارفهم ومهاراتهم للعمل على تحسين التعلم لدى الجميع. وتتمثل الخطوة الأولى للحصول على معلمين جيدين في اجتذاب أفضل المرشحين لمزاولة المهنة وأكثرهم اندفاعاً. فالكثير ممن يقررون أن يصبحوا معلمين يستمدون اندفاعهم من الرضا الناجم عن مساعدة الطلاب على التعلم، وتحقيق إمكاناتهم الكامنة وتحويلهم إلى مواطنين مسؤولين.وإن مجرد الشعور بالرغبة في التدريس لا يكفي، بل ينبغي على الراغبين في الالتحاق بالمهنة أن يكونوا، هم أنفسهم، قد حصلوا على تعليم جيد. فيتعين عليهم أن يكونوا قد أتموا مرحلة التعليم الثانوي على الأقل بصورة ملائمة من حيث نوعية التحصيل وأهميته، حتى يكون لديهم معرفة سليمة بالموضوعات التي سيقومون بتدريسها وقدرة على اكتساب المهارات اللازمة للتدريس.
بيد أن التدريس لا يستميل دوماً أفضل المرشحين. ففي بعض البلدان، يُنظر إلى التدريس بوصفه عملاً من الدرجة الثانية يمتهنه من لم يحقق نتائج جيدة على الصعيد الأكاديمي للخوض في مسارات وظيفية ذات مكانة أرقى، مثل الطب والهندسة. أما مستوى المؤهلات المطلوبة للدخول في سلك التعليم فهو إشارة تدل على المكانة المهنية لهذا المجال. ولرفع مكانة التعليم واجتذاب المرشحين الموهوبين، قامت مصر على سبيل المثال بفرض شروط للقبول أكثر صرامة تتطلب من المتقدم أن يكون قد أدى مرحلة الدراسة الثانوية أداءً جيداً،فضلاً عن حصوله على تقييم إيجابي في المقابلة. وبعد أن يتم الاختيار، يتعين أيضاً على المرشحين التقدم إلى فحص القبول لتحديد ما إذا كانوا يطابقون الصورة التي يفترض أن يكون عليها المعلم الجيد.
ويعدّ تحسين الحوكمة الخاصة بالمعلمين أمراً حيوياً لتقليص الحرمان في مجال التعلم. وفي حالة ضياع بعض أيام الدراسة بسبب غياب المعلمين، أو إيلاء المزيد من الاهتمام للدروس الخاصة أكثر مما يولى للتدريس في الصف، على سبيل المثال،فإن ذلك قد يعرّض تعلم الأطفال الأشد فقراً للأذى. ويعدّ فهم الأسباب الكامنة وراء هذه المشكلات أمراً بالغ الأهمية فيما يتعلق بوضع الاستراتيجيات الفعالة لحل تلك المشكلات.كما أنه لا بد من إدارة قوية للمدرسة لتضمن حضور المعلمين في الوقت اللازم وأداء عملهم في كل أيام الأسبوع وتقديمهم الدعم للجميع على قدم المساواة. والعنف القائم على نوع الجنس الذي يمارسه المعلمون في بعض الأحيان يحدث أضراراً في فرص التعلم لدى الفتيات. أما الاستراتيجيات الرامية إلى منع المعلمين من ارتكاب سوء السلوك والتصدي لذلك واتخاذ الإجراءات اللازمة في حق مرتكبي الخطأ فتتطلب تأييداً ودعماً من مدير المدرسة، ومن المعلمين ونقاباتهم، وكذلك من المجتمعات المحلية،إذا أريد للفتيات أن يحظين بالحماية. وفي مصر، بلغ الوضع حداً مفرطاً، وذلك بسبب تدني نوعية التعليم من جهة، واضطرار المعلمين إلى زيادة دخلهم المنخفض من جهة أخرى. وتشير التقارير إلى أن المبالغ التي تنفق سنوياً على الدروس الخاصة تصل إلى 2.4 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 27 % من الإنفاق الحكومي على التعليم في عام 2011 وتشكل الدروس الخاصة جزءاً كبيراً من إنفاق الأسر على التعليم،إذ بلغ متوسط هذا الإنفاق نسبة 47 % في المناطق الريفية و 40 % في المناطق الحضرية. ويتاح للأطفال المنتمين إلى الأسر الغنية نحو ضعفي الفرص التي تتاح للطلاب الأكثر فقراً فيما يخص الحصول على الدروس الخاصة. وقد يكون المعلمون هم أنفسهم الذين يعطون الدروس الخاصة لطلابهم، وهم بالتالي المسؤولون عن منحهم درجاتهم في المدارس. ويشكو الطلاب من أن المعلمين لا يقومون بتغطية المنهج الدراسي على طول اليوم الدراسي،ويجبرون الطلاب بذلك على اللجوء إلى الدروس الخاصة لتغطية المناهج والتمكن بالتالي من النجاح في الامتحانات.
ويبين التقرير أنه من أجل تحقيق التعليم الجيد للجميع، يجب على الحكومات أن توفر ما يكفي من المعلمين المدربين، وتركز السياسات الخاصة بالمعلمين على تلبية احتياجات المحرومين. هذا يعني اجتذاب أفضل المرشحين إلى مهنة التدريس، وتزويدهم بالتدريب الملائم، وإيفادهم داخل البلدان إلى المناطق التي هي في أمسّ الحاجة إليهم، وتقديم الحوافز إليهم لكي يلتزموا بالتدريس التزام اً طويل الأجل. ويسلط التقرير الضوء أيضاً على الحاجة إلى التصدي للعنف القائم على نوع الجنس في المدارس، الذي يمثل عائقاً رئيسياً أمام تحقيق الجودة والمساواة في التعليم. كما أنه يؤكد على أهمية الاستراتيجيات الخاصة بالمناهج والتقييم من أجل تعزيز الاندماج وتحسين التعلم.
1-   يجب أن تتضمن أهداف التعليم الجديدة لمرحلة ما بعد عام2015 التزاماً صريحاً بتحقيق الإنصاف بحيث تتاح لجميع الأطفال فرص متساوية للانتفاع بالتعليم. و تحتاج الأهداف الجديدة إلى غايات واضحة و قابلة للقياس مدعّمة بمؤشرات لتتبُّع التقدم الذي تحرزه أشد الفئات حرماناً.
2-   يجب أن تضمن الأهداف الجديدة لمرحلة ما بعد عام 2015 أنه يتاح لكل طفل الالتحاق بالمدرسة وتعلُّم الأساسيات. فلا يحق للأطفال الالتحاق بالمدرسة فحسب، بل يحق لهم أيضاً التعلم فيها لفترة طويلة، والخروج منها بعد اكتساب المهارات التي يحتاجون إليها للعثور على عمل مستقر جيد الأجر.
3-   ضمان وصول أفضل المعلمين إلى الدارسين الذين هم في أمسّ الحاجة إليهم. يجب أن تشتمل خطط التعليم الوطنية على التزام صريح بالوصول إلى المهمشين. و ينبغي أن يجري تعيين المعلمين على الصعيد المحلي أو أن تكون لديهم خلفيات مماثلة لخلفيات الدارسين المحرومين. و يحتاج كل معلم إلى تدريب قبل الخدمة وأثناء الخدمة على السبل الكفيلة بتوجيه الدعم إلى الأطفال المحرومين. و يجب توفير الحوافز لضمان إقبال أفضل المعلمين على العمل في المناطق النائية والمحرومة. و يجب على الحكومات أن تسعى إلى الإبقاء على أفضل المعلمين لديها من خلال دفع أجور تلبى احتياجاتهم الأساسية على الأقل وتوفير ظروف عمل جيدة ومسار وظيفي ملائم لهم.
الخلاصة
لكي يتسنى إنهاء أزمة التعلم، يتعين على كل البلدان، الغنية منها والفقيرة، أن تضمن انتفاع جميع الأطفال بمعلمين مدربين تدريباً جيداً ومتحمسين للعمل. وتستند الاستراتيجيات العشر المبينة هنا إلى الأدلة المتمثلة في السياسات والبرامج والاستراتيجيات التي ثبت نجاحها في عدد كبير من البلدان ومن البيئات التعليمية. ومن خلال تنفيذ هذه الإصلاحات ، تضمن البلدان لجميع الأطفال والشباب، ولا سيما المحرومون منهم،تلقّي التعليم الجيد الذي يحتاجون إليه لتحقيق ما لديهم من طاقات وتولى زمام حياتهم.