Monday, February 3, 2014

حوكمة أنشطة الرقابة الشرعية



 شهدت الصناعة المالية الإسلامية في السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً في أحجام الأصول التي تدار تحت مظلتها، بالإضافة إلى النمو الملحوظ في أعداد المؤسسات المالية الإسلامية التي قررت لنفسها العمل وفقاً للشريعة الإسلامية، كذلك إصدارات الصكوك والصناديق الاستثمارية الإسلامية، بل وتعدى الأمر ليصل إلى المؤسسات والشركات غير المالية التي اختارت أن تتوافق في تعاملاتها مع متطلبات الشريعة الإسلامية.ولا شك في أن تطبيق أدوات الحوكمة على هذا النظام الشرعي الذي تعمل في إطاره المؤسسات المالية الإسلامية  يعمل على تلافى الكثير من العيوب الهيكلية التي ترتبط ارتباطاً جوهرياً بما يُعرَف اليوم بمفهوم الحوكمة المؤسسية (Corporate Governance) ،ويعمل على  تلافى كثير من  جوانب الضعف في جودة الالتزام الشرعي في المؤسسات المالية الإسلامية، وكان هذا الضعف في كثير من الأحيان محلاً لتوجيه الانتقاد البَنَّاء وغير البَنَّاء للصناعة المالية الإسلامية.
والرقابة الشرعية أضحت بالفعل فنًا علميًا له أصوله وآلياته وفنياته المتداخلة فيما بين مبادئ التدقيق المتعارف عليها والمتطلبات الشرعية، وهي في مُجمل مضامينها تنطلق بالضرورة من أصول القواعد والضوابط الشرعية. وكذلك تعتبر أساليب الرقابة الشرعية بمثابة المُحدِّد الرئيسي للإطار العام للخطط التنظيمية والآليات المُنتهجة في عملية التدقيق، وبما يُعزِّز من قدرة إدارة المؤسسة على اتخاذ القرارات الكفيلة بحماية أصولها ومجابهة مختلف المخاطر والتحديات.
 ولاشك فى أن الالتزام بتطبيق الجوانب الفكرية للحوكمة على أنشطة الرقابة الشرعية يساعد على إيجاد مفهوم ومقاييس شاملة لأداء الرقابة الشرعية مما يدعم من قدراتها على الاستمرار والنمو ويحقق مصالح الفئات المختلفة المتعاملة معها، ويزيد من صلاحية هيئات الرقابة الشرعية ، مع الاستفادة من جوانب الحوكمة في تعزيز دور الهيئات الشرعية في قضايا الأخلاقيات المهنية و الإشراف والرقابة والشفافية والمصداقية والعدل وغيرها.
وكلمة governance معناها حاكمة من الإحكام والحاكمية؛ وبالرجوع إلى معاجم اللغة العربية والبحث تحت لفظ «حكم» نجد أن العرب تقول: حكمت واحكمت وحكّمت؛ بمعنى: منعت ورددت؛ ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكم لأنه يمنع الظالم من الظلم؛ ومن المعانى لكلمة «حَكَم»: حَكَمَ الشىء وأحكمه كلاهما: منعه من الفساد .[1]
ورغم أن لفظ حوكمة لم ترد فى القواميس العربية على هذا الوزن, إلا أن المعنى العام لها من مادة لفظ حكم الذى يعنى كما سبق القول المنع من الظلم والفساد وهو المتفق عليه اصطلاحا لكلمة الحوكمة التى تهدف الى منع الظلم والفساد.[2]
وتعرف الحوكمة على أنها مجموعة من القرارات والإجراءات والسياسات والقوانين التي تؤثر في الطريقة التي تدار وتراقب بها الشركات بطريقة تعزز وتضمن كفاءة أعلى وأداء ماليا أفضل وتقلل الحاجة لرقابتها.ان الهدف الأساسي من تطبيق مبادئ الحوكمة هو ضمان تماشي أهداف إدارة الشركة مع أهداف المساهمين. فوجود نظام عادل للحوكمة سوف يكفل توافق أهداف المساهمين مع أهداف إدارة الشركة ويعزز من ثقة المستثمرين بكفاءة النظام الذي يحمي حقوقهم.[3]
وترتبط الرؤية التقليدية لحوكمة الشركات ارتباطاً كبيراً بالفصل بين الملكية والإدارة، وهي من المشاكل التي تنشأ بين أصحاب الشركات ومديريها. وتقول تلك النظرية إن مصالح المديرين والملاك قد تتضارب وقد لا تكون لها أية علاقة بإدارة الأنشطة اليومية للمؤسسة، وذلك في الوقت الذي يحتاج فيه الملاك إلى ضمانات تكفل تصرف المديرين بما فيه مصلحة الشركة )أو أصحابها( وليس بما فيه مصلحتهم هم. وهنا يأتي دور حوكمة الشركات، حيث تنشئ الآليات الضرورية لضمان قيام مديري المؤسسة بالتحركات المناسبة. فهي تساعد، على سبيل المثال، في منع سرقة الإدارة للممتلكات أو إساءة استخدامها.[4]
وتعتبر مفاهيم الشفافية، والمسئولية، والمساءلة، والعدالة بمثابة  المبادئ الأساسية للحوكمة الرشيدة للشركات.
   وتوفر الحوكمة   للرقابة الشرعية [5] الأدوات التي تحتاجها لضمان الفعالية والمساءلة واتخاذ قرارات صائبة. فمتطلبات تعزيز الإبلاغ توجب وجود إجراءات محاسبية مطورة وأنظمة سيطرة داخلية قوية، وهذا بدوره،يزيد الشفافية وانتظام التقارير المالية، وتصبح أنشطة الرقابة الشرعية أكثر قابلية للمساءلة عن القرارات التي تتخذوها، وعن مستوى الأداء الذي ينتج عنها. فبهذا السبيل يمكن بسهولة تحديد مواطن ضعف الأداء والأنشطة التي تبدد الموارد في أنشطة غير مربحة، وبالتالي معالجتها.وكما تؤثر الرقابة الشرعية في آليات الحوكمة وإنفاذها،فانها تتأثر هى أيضاً، بدورها بأدوات الحوكمة.
وتعمل حوكمة الرقابة الشرعية على وتحسين اختيار أعضاء هيئة الرقابة الشرعية ونوعيتها، والمساهمة في تطوير استراتيجيات واضحة للمؤسسات المالية الاسلامية  تقوم على الفاعلية والمهنية، ومن شأن ممارسات أدوات الحوكمة على أنشطة الرقابة الشرعية  أن تؤدي إلى تحسين الشفافية، والرقابة الداخلية، وانتظام التقارير المالية، فتقلص بذلك من الفساد وإساءة استغلال المنصب.
وينتج عن حوكمة الرقابة الشرعية داخل النظام المصرفي الاسلامى استقرار الاقتصاد من خلال رقابة مصرفية أفضل، وكذلك تحسين إدارة المخاطر،وتقليص تكاليف رأس المال، وهو ما من شأنه تحقيق النمو.
فالرقابة الشرعية هى عملية شاملة للمتابعة المستمرة للأداء في المؤسسة أثناء قيامها بتنفيذ الخطط الموضوعة . وشاملة كذلك لتقويم الأعمال ومقارنتها بالمعايير والأهداف الكمية والنوعية والتقديرية الموضوعة للمؤسسة وتنصب الرقابة على جميع عناصر المؤسسة وترافق العمل من بدايته لتجنب الأخطاء أو اكتشافها قبل وقوعها وهذه هى الوظيفة الوقائية للرقابة فضلا عن وظيفتها العلاجية.[6]ومفهوم الرقابة الشرعية يشمل هيئة الرقابة والمراجعة الشرعية.[7]
وقد أولت الهيئات والمنظمات الإسلامية الدولية أهمية كبرى لموضوع الحوكمة، والذي يشمل حوكمة الهيئات الشرعية، ومن هذه الهيئات: [8]
1-  مجلس الخدمات المالية الإسلامية – ماليزيا.
2-  هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية – البحرين.
3- المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية – البحرين.
4- مركز إدارة السيولة للمؤسسات المالية الإسلامية – البحرين.
5-  الوكالة الإسلامية الدولية للتصنيف الائتماني – البحرين.
ففي العموم دعت الهيئات إلى الالتزام بمبادئ الحوكمة الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي (OECD)، ولجنة بازل حول تعزيز الحوكمة في المؤسسات المصرفية، ووضعت مجموعة من المبادئ التي لابد للمؤسسات المالية الإسلامية الالتزام بها؛ كأن تضع إطاراً لسياسة ضوابط الإدارة والتي تشمل ( مجلس الإدارة والهيئات المنبثقة عنه، الإدارة التنفيذية، هيئة الرقابة الشرعية، مراجعوا الحسابات الداخليين والخارجيين). أيضاً إعداد التقارير المالية وغير المالية بما يتوافق مع المعايير الدولية المحاسبية، مع التأكد بمطابقتها للأحكام الشرعية. أيضاً وضع الضمانات الكافية للمحافظة على حقوق حسابات الاستثمار ومتابعتها والتحوط لما يمكن أن يحيطها من مخاطر. واتخاذ الإجراءات والآليات السليمة للحصول على الأحكام الشرعية من المختصين لكل ما يتعلق بأعمال هذه المصارف، والالتزام بأحكام الهيئات الشرعية، وضمان تنفيذها، مع السعي الدائم لتطوير أعضاء الهيئات الشرعية بالتدريب والتطوير المستمر لقدراتهم، مع قبول تنوع الآراء الفقهية. أيضاً من المبادئ المهمة والتي أولتها الهيئات الدولية الاهتمام كضوابط لحوكمة المؤسسات المالية الإسلامية، وجوب توفر قدر كبير من الشفافية للعملاء والجمهور، وتمكينه من الاطلاع على معاملاته وعلى الضوابط الشرعية المعتمدة لديها، وتوفير المعلومات بالقدر الكافي لأصحاب الاستثمار لديها.
ويمكن تعريف حوكمة أنشطة الرقابة الشرعية على أنها نظام لتنظيم وتشغيل والسيطرة على أنشطة الرقابة الشرعية  بهدف تحقيق الأهداف الاستراتيجية طويلة الأجل لإرضاء المساهمين والدائنين والعاملين والعملاء والموردين، والامتثال للمتطلبات القانونية والتنظيمية، فضلا عن الوفاء بالمتطلبات البيئية المحلية واحتياجات المجتمع. وأنها السياسات الداخلية التي تشمل النظام والعمليات والأشخاص، والتي تخدم احتياجات المساهمين وأصحاب المصلحة الآخرين، من خلال توجيه ومراقبة أنشطة الرقابة الشرعية لتحقيق الموضوعية والمساءلة والنزاهة والشفافية.
وتوجد في الوقت الحالي عدة نماذج مختلفة خاصة بعمل هيئات الرقابة الشرعية، وممارسة الأنشطة الاستشارية الشرعية يتم تطبيقها في مناطق ذات سلطات مختلفة، وينطبق هذا الوضع أيضاً على العمليات والإجراءات التي تم تبنيها في مجال الحوكمة الشرعية. ومن الملاحظ أن النهج الذي اتبعته السلطات المعنية في البلدان المختلفة فيما يتعلق بهذه القضية اتسم بالتنوع والاختلاف، فقد قامت بعض السلطات بإصدار تعليمات وإرشادات مركزية واجبة التنفيذ، بينما جعلت بعض السلطات الأخرى تطبيق هذه الإرشادات أمراً طوعياً، واختارت سلطات أخرى تبني منهج يجمع ما بين الإجبار والتخيير. وبغض النظر عن المنهج المتبع، فالجميع متفقون على وجود حاجة ماسة إلى إرشادات تتعلق بأفضل الممارسات الخاصة بالحوكمة الشرعية، وذلك من أجل تحسين الخدمات الاستشارية الشرعية وترسيخ مكانتها.وهذا يتطلب استمرار التواصل مع أصحاب المصالح في المالية الإسلامية من أجل تعميق فهمهم بأدوات الحوكمة والسعي الدؤوب للإسهام بأكبر شكل ممكن في تطبيقها فى صناعة المالية الإسلامية،وتشجيع المبادرات الرامية إلى  بناء نماذج للحوكمة الشرعية ،وتكوين علماء جدد في هذا المجال وتعليمهم وتدريبهم.




[1] ابن منظور ،لسان العرب ،طبعة دار المعارف ،ص 953
[2] محمد عبد الحليم عمر،حوكمة الشركات «تعريف مع إطلاله إسلامية»،ورقة عمل أساسية، الحلقة النقاشية الثالثة والثلاثون ،مركز صالح عبد الله كامل للاقتصاد الإسلامي،جامعة الأزهر،السبت 14 ربيع الأول 1426هـ الموافق 23 أبريل 2005م،ص2
[3] أماني خالد بورسلي ،آثار تطبيق معايير ومبادئ الحوكمة الحديثة وأسس التقييم، بحث منشور بكتاب حوكمة الشركات اتحاد الشركات  الاستثمارية، مكتبة آفاق ، الكويت،سبتمبر 2011،ص ص25-26 متاح في :http://www.unioninvest.org/Publications/7Corporate%20Governance.pdf

[4] ألكسندر شكولنيكوف،أندرو ولسون،من شركات مستدامة إلى اقتصادات مستدامة:حوكمة الشركات كأداة تنموية، مركز المشروعات الدولية الخاصة،ص ص 8-9 متاح في: http://egypt.cipe-arabia.org/Corporate_Governance/Resources/Corporate_Governance_as_a_Transformational_Development_Tool.pdf

[5] الرقابة في اللغة:ورد في لسان العرب  أن في أَسماءِ اللّه تعالى: الرَّقِـيبُ: وهو الحافظُ الذي لا يَغيبُ عنه شيءٌ؛ فَعِـيلٌ بمعنى فاعل.وفي الحديث: ارْقُبُوا مُحَمَّداً في أَهل بيته أَي احفَظُوه فيهم.وفي الحديث: ما مِن نَبـيٍّ إِلاَّ أُعطِـيَ سبعةَ نُجَباءَ رُقَباءَ أَي حَفَظَة يكونون معه.والرَّقيبُ: الـحَفِـيظُ.ورَقَبَه يَرْقُبُه رِقْبةً ورِقْباناً، بالكسر فيهما، ورُقُوباً، وترَقَّبَه، وارْتَقَبَه: انْتَظَرَه ورَصَدَه.والتَّرَقُّبُ: الانتظار، وكذلك الارْتِقابُ.وقوله تعالى: ولم تَرْقُبْ قَوْلي؛ معناه لم تَنتَظِرْ قولي.والتَّرَقُّبُ: تَنَظُّرُ وتَوَقُّعُ شيءٍ. وارْتَقَبَ: أَشْرَفَ وعَلا. راجع: ابن منظور ،لسان العرب ،طبعة دار المعارف ، ص 1699

[6] عبد الحميد محمود البعلي، تقنين أعمـال الهـيئة الشـرعية معالمه وآلياته، بحث مقدم إلى:المؤتمر الثالث للهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية المنعقد في مملكة البحرين تنظيم هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية خلال الفترة 9 – 11 شعبان 1424هـ الموافق 5 – 7 أكتوبر ٢٠٠٣م، ص 66

[7] المراجعة الشرعية فتعني: فحص مدى التزام المؤسسة بالشريعة في جميع أنشطتها. وتسمى أيضاً (التدقيق الشرعي) و(الرقابة الشرعية الداخلية). وأما هيئة الرقابة الشرعية: فهي الهيئة الشرعية التي تصدر الفتاوى وتضع المعايير الشرعية. وتسمى أيضاً: (الهيئة الشرعية) و ( هيئة الفتوى). وهيئة الرقابة الشرعية تشرف على عمل الرقابة الشرعية الداخلية، وتقوم بأعمال المراجعة أيضاً، ولكن ليس على سبيل التفرغ لذلك كما هو الحال في الرقابة الداخلية؛ ولهذا تسمى هيئة الرقابة الشرعية ب( المراقب الشرعي الخارجي).للتفاصيل راجع: مصطفى ابراهيم،نحو منهج متكامل للرقابة على المصارف الاسلامية،رسالة دكتوراه،الجامعة الأمريكية المفتوحة،قسم الدراسات الاسلامية،2012،ص ص 35-46

[8] محمود على السرطاوي ، حوكمة هيئات الرقابة الشرعية في المؤسسات المالية، والمقدم إلى ندوة: الهيئات الشرعية بين المركزية والتبعية، والتي نظمتها شركة دراية للاستشارات المالية الإسلامية، عمان 2012،ص ص  4-7


No comments:

Post a Comment